على كل حال فتجويف هذا المحراب تبطنه حشوات من الرخام (( panels تزدان بزخارف رائعة يمكن أن نلمسها إذا عرفنا أن زخرفة القيروان عامة تنتمي إلى عصرين، الأول يمتاز بغلبة الفراغ. والعنصر الثاني يشتهر بكراهيته, وتتكون المؤثرات الزخرفية في هذه الفترة الثانية من التناسب والاختلاف بين المسطحات، أي أن عناصرها تستخلص من تجويفات وبروز, وفوارغ ومنحوتات وكلها تتفرع من فكرة فنية واحدة.
4ومن السهل أن ندرك العوامل التي تداخلت في نشأة هذه الفكرة، وأنا لنجدها كلها في البيئة الخاصة التي نشأ فيها الأعراب, في طبيعة بلادهم وصورة معيشتهم، ونزوة خيالهم, وأصول لغتهم وأوزان شعرهم, وقد اتفقت كل هذه العوامل على تكوين الفكرة الزخرفية في الفن الإسلامي، بل كأننا نسمع صدى سير الإبل المتتابع الخبيث، وكأننا نرى انتظام توقيع اخفافها على الرمال، وامتداده حين نقلب شكلا من أشكال العرب الزخرفية، فإذا بتفكيرهم الفني مرآة تنعكس فيها حياتهم اليدوية وإذا بخيالهم اتخذ صورة مادية طغت عليها أصول الهندسة والحساب، فنرى أن الأشكال الزخرفية تخضع كلها لقوانين القسمة والطرح والضرب، وأن الوحدة تقبل التكرار والتجزئة معا, أما الخطوط الهندسية فإنها تقبل التشكيل بمركبات لاعد لها, اختار نقاش القيروان عنصرين منها، وهما الدائرة والمربع، وصنع منهما أشكالا منفردة تارة, وتارة متداخلة, والعادة أن الزخرفية النباتية في القيروان تقتصر على ورقة العنب, أو على الأصح تتفرع منها.
وهذه الورقة5 هي التي تكون العنصر الأساسي لأكثر المركبات الزخرفية فقد تنقسم إلى قسمين متساويين كل منهما صورة منعكسة للأخرى، وقد تكون ورقة العنب يافعة أو منكمشة أو ملفوفة أو مقصوصة في مواضع، وقد تستبدل بورقة ذات ثلاث شحمات طرفها الأعلى مدبب دائما، كما تخضع هذه الزخارف كلها إلى التعداد والتكرار المستمر، مثل الرسوم الهندسية تمام، وكثيرا ما تتصل الزخارف النباتية بالزخارف الهندسية6, فنجد دوائر متصلة بخطوط أفقية تتفرع من وسطها زهرة من ثلاث شحمات
نستخلص من كل هذه الأشكال الزخرفية، تلك الفكرة الأصلية التي حركت نزوة نقاش زيادة الله في القرن الثالث الهجري، وهي فكرة تحكم القواعد الهندسية في رسم الخطوط والنباتات.
ولعل هذا هو السبب الذي جعل تلك الزخارف النباتية التي تدور حول ورقة العنب لم تبلغ الجمال العجيب الذي نلاحظه في واجهة قصر المشتى بالشام.
كما أن هذه الحشوات الرخامية في الوقت نفسه تكشف عن ناحية تعد من أهم خصائص الفن الإسلامي, وهي الزخارف المخرمة التي يتخلل الضوء فتحاتها الرشيقة لكي يتجانس مع الظل الناشئ من الفراغ المعتم، ومن الحق لقد بلغ النحاتون من المسلمين في هذا الأسلوب حدا بعيدا من الرقة والإتقان, حتى أعجب به كثير من رجال الفن المسيحي في بيزنطة واسبانيا وفرنسا في العصور الوسطى، واخذوا أصوله وادخلوها على صناعة زخارفهم المنحوتة.
4 - أحمد فكري- الوحدة في الزخرفة الإسلامية: بحث ألقي بالمؤتمر الثالث للآثار بالبلاد العربية.
- انظر اللوحة رقم 2: م وت المنعقد بفاس 1959. 5
6 - انظر اللوحة رقم 2: ج