حيث عرف الجميع حكمة تحريمها معرفة واضحة، كما قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر اتلله وعن الصلاة: فهل انتم منتهون». وعقب نزول هذه الآية أمر النبي (ص) مناديه أن ينادي في سكك المدينة أي في طرقها: إلا أن الخمر قد حرمت، فكسرت الدنان وأريقت الخمر حتى جرت في سكك المدينة وما كان خمرهم يومئذ إلا من اليسر والثمر. وهذا حديث صحيح.
ولكن كل هذا المجهود لم يكن كافيا لكف الجميع عن شرب الخمر لان عادة شربها كانت مستحكمة، فكان بعض الناس يشربها فشرعت لهم عقوبة وتأديب ففي الحديث المتفق عليه عن انس بن مالك رضي الله عنه أن النبي (ص) أتى برجل شرب الخمر فجلده بجريدتين (أي من قضبان النخيل) نحو أربعين (أي جلدة) قال أي انس وفعله أبو بكر فلما كان عمر استشار الصحابة فقال عبد الرحمن بن عوف اخف الحدود ثمانون فأمر به عمر. فالصحابة قرروا بعد المشاورة أن تكون عقوبة شرب الخمر ثمانين جلدة بعد أن كانت في زمن النبي وأبي بكر نحو أربعين فقط وليس عملهم تشديدا في العقوبة من غير موجب بل وقع ذلك لموجب مهم ذلك أن بعضا من العرب الذين لم يتفقهوا في الدين عاودوا عادة العرب في شرب الخمر، يبين هذا السبب ما أخرجه أبو داود والنسائي أن خالد بن الوليد كتب إلى عمر: إن الناس أنهكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة قال وعنده المهاجرون والأنصار فسألهم فاجمعوا أن يضرب (أي شارب الخمر) ثمانين.
وهكذا بقي التشريع الإسلامي سائدا في العصور المفضلة والعقوبة التي اتفق الصحابة عليها تطبق تارة وتهمل تارة أخرى أما في مغربنا الإسلامي الحاضر فان كثيرا من الناس يشتكون من شيوع الخمر وانتشارها ويقول بعضهم انه لا يوجد تشريع يحرم هذه المنكرات ويعاقب عليها، وليس هذا القول بصحيح بل في التشريع المغربي الجديد ما يحرم ويمنع شرب الخمر على المسلمين ويفرض عقوبات من السجن والغرامات على المخالفين، وإذا كانت بعض المحاكم تتهاون في تطبيقها فهي المسؤولة عن هذا التهاون وحدها وعلى المسلمين أن يطالبوا بتطبيق هذا القانون على السكارى، فقد أصدرت وزارة العدل المغربية بتاريخ 19 شتمبر 1958 منشورا يحمل رقم س ا ب 49 حول منع المسكرات. وهذا نص المنشور:
إلى السيد الوكيل العام بكل من الرباط وطنجة
لقد قررت الحكومة الشروع في محاربة لا هوادة فيها للمسكرات التي تخرق القوانين السماوية وكل قانون ايجابي.
ويوجد الآن تحت الدرس عدد من التدابير القانونية ستنشر عما قريب.
ويلزم قانونيا من الآن ودون انتظار صدور التشريعات الجديدة تطبيق التدابير الضرورية لمحاربة هذه البلية ذات النتائج المضرة للحالة الصحية والاقتصادية للبلاد.
ويحتوي القانون الجاري به العمل الآن على بعض النصوص التي تنظم إنتاج وتجارة المكسرات من جهة ورخص الاتجار فيها وقمع تناولها والسكر علنيا من جهة أخرى.
وإنني الفت نظركم إلى هذه القوانين وأرجو منكم اتخاذ جميع الترتيبات حتى تطبق هذه القوانين بمنتهى الصرامة.
ومن اللائق أن تطالب النيابات العامة بتطبيق القانون تطبيقا صارما كلما نظروا في مخالفات لقانون ترويج المسكرات والكحول.
وكل مخالفة للقانون تقع تحت تأثير الخمر يجب أن تعاقب بشدة وذلك لان حالفة السكر تزيد في خطورة اقتراف أي مخالفة للقانون، ويجب أن يعاقب السكر العلني دون أي تسامح وذلك لأنه خطر على المجتمع.
وان قاضي النيابة العامة بالرباط، الذي هو عضو في لجنة ترويج الخمور التي أحدثها القرار الوزيري الصادر بتاريخ 23 صفر 1356 الموافق لخامس ماي 1937 سيقوم في نفس هذا الاتجاه، بالمهمة الخاصة التي انيطت به على الصعيد الإداري. ونلفت انتباه قضاة النيابات العامة التابعة للرباط: