تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والعقول فكان سلوكها منطقيا مع أفكارها، منطلقا مع أهدافها، متجاوبا مع التصريحات التي يدلي بها قادتها.

ونحن لا يتقصنا التحدث عن العنايات ولكن الذي تحتاج إليه العمل على إيجاد تصميم تربوي عام لتحقيقها فالكلمة منفصلة عن العمل جثة بلا روح، وحركة ميتة شيئا إلا أنها تضيف للفراغ فراغا.

واني لأستغرب لأولئك الذين يتغنون بالحضارة الإسلامية وهم لم يحاولوا خلق سرها؛ ونشر وعيها، وأعجب لمن يبغض الشيوعية وينعتها بنعوت خبيثة وهو يعيش على الخيال والفراغ ويساهم يفعله وسلوكه في نشر الشيوعية وغيرها من المبادئ الهدامة للقيم الروحية…

إننا الآن أمام تيارات مختلفة أهمها التيار الشيوعي والرأسمالي ولكل من التيارين فلسفة خاصة حول الإنسان وعلاقاته المختلفة وإذا كان الثاني قد طرد الدين من الشارع وحاصره بين جدران الكنيسة ووضع حدا فاصلا بين ما لله وما لقيصر، فان التيار الشيوعي قد طرد الدين من كل مكان واستأصله من أساسه وحدد موقفه من الله ومن الغيبيات بكل صراحة وجرأة وآمن بالمادة ولها وحدها ولكل دعوة فكرة منظمة ومنطق علمي مع ملاحظة أن للفكرة الشيوعية طلاوة وجاذبية وعمقا بما تمنى به الجيوب الفارغة والبطون الجائعة ونزعات الشباب الثائرة، ومثاليتهم الحالمة، من نعيم مقيم، وفردوس عميم ويزيد في بهائها وقوتها ونصاعتها ما حققته الدولة القائدة للفكرة من انتصارات علمية واقتصادية وفنية مدهشة زيادة على التجربة الصينية الخارقة، فهي إذن فكرة مؤيدة بالدليل المادي المحسوس فهل حصنا أنفسنا ضد هذه الدعوة أو تلك؟ وهل وضعنا لأنفسنا تصميما اجتماعيا بجعل لنا كيانا خاصا بنا؟ وهل اخترنا لصراحة الطريق السليم الذي بجل أن نسلكه؟ بل ها حددنا غابتنا وأهدافنا؟.

أن الأمم الآن بل ودائما - أصبحت توتي من جهة ضعيفا الروحي والفكري وأن الأمم الخالية من «الفكرة الفقيرة من الإرادة» المشوشة الأهداف المبللة الفكر، مستهدفة لغزوة أمة أعظم منها أفكارا وتنظيما وأن الأرواح الفقيرة والعقول الفارغة والأفكار الخالية لابد من أن تمتلئ اليوم أو غدا خصوصا وكرتنا الأرضية أصبحت متقاربة أشد التقارب منحازة أقوى ما يكون التجاور.

والصراحة التي يجب أن تكون دائما شعارنا تفرض علينا أن تقول أننا تعيش في فراغ مخيف وذلك ناشئ عن عوامل شتى، ويسمح لي القارئ الكريم إذا ما اتهمنا أنفسنا نحن عن أسباب هذا الفراغ وعن استمراره، دون أن نلقى التهمة على الاستعمار الذي اتخذه البعض منا ستارا لتخلفنا الخلقي والفكري فنحن هم الذين أوجدنا هذا الفراغ أساسا، ونحن المسؤولون عنه أولا وأخيرا أما الاستعمار فلم يكن إلا قوة مساعدة، وجدت الاستعداد والقابلية، ومن طبيعة هذه القوة الشر المطلق، والمهم الآن أن تملأ هذا الفراغ بما يتفق وتاريخنا وعقائدنا قبل أن يملاه غيرنا .. إذا لم يكن قد بدا يملئه.

فنجن فقراء «فكرة» هذه حقيقة لا ننكرها أو يجب عليتا ألا ننكرها، أما الإسلام فهي تعيش في كتبها، غنية بنفسها حية في ذاتها، ولكنها ميتة في نفوسنا لأنها لا تمدنا السلوك أو بالا حرى لا نستوحيها في تنظيمنا العام، ونحن الآن أمام طريقين: كرهنا، أو نعمل على أدابة الفكرة الإسلامية في كياننا لتتجلى واضحة في سلوكنا وننتقل إلى حياتنا في صور علمية واقعية.

ولعلنا لسنا في حاجة إلى استعادة فكرة أو ابتداع مذهب، فقد ارتضينا دينا، ولهذا الدين نظريته في الإنسان وعلاقته بأخيه الإنسان وبالسماء وإذا كانت المسيحية تهتم بالروح والشيوعية تؤمن بالمادة فالإسلام لا يفضل المادة عن الروح، أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم كما يقول ليوبولد فايس: لم تدع الروحية كشيء منفصل عن الحياة الجسمانية أو مضاد لها بل ارتكزت بالكلية إلى المفهوم القاتل بأن الروح والجد ليسل سوى وجهين لحقيقة واحدة.

فالإسلام دين يستهدف رفع المستوى المادي والروحي للجماعة الإنسانية، عن طريق تنظيم اجتماعي مرتبط بالسماء ارتباط المخلوق بالخالق.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤٦٢