دعوة الحق، س.3، ع 5 /أكتوبر 1960 .................. ص 08
الإسلام دين القوة والعزة
عبرة من السيرة النبوية الكريمة
للأستاذ الفاضل صاحب الإمضاء
إن السيرة النبوية عند المسلمين قدوة ومستخى عبرة لأنها معيار صادق للعدالة وسند روحي يحيي الفضيلة في المجتمع الإسلامي ويسعفه بما يحتاج إليه في شتى مناحي حياته، فيجد فيه الغذاء الكافي والدواء الناجع لما أصابه وألم به من انحلال وضعف وخمول.
وقد اخترت أن تكون هذه الكلمة عن القوة والعزة التي كانت من مظاهر الإسلام والمسلمين يوم كانوا سادة العالم وحكامه العادلين المنصفين حتى نقارنها بقوتهم في هذا الزمان الذي فقد فيه المسلمون تلك القوة فأصبحوا لقمة سائغة في أفواه المستغلين لا يمكن أن يرجع إليهم اعتبارهم الكامل إلا إذا عاودوا سيرتهم الأولى وأدركوا من القوة ما يجعل جانبهم مرهوبا من الأعداء وصداقتهم ومعاونتهم مرغوبا فيها من الأصدقاء وغيرهم على السواء، أعني أن يكون لهم وزن ثقيل في ميدان السياسة الدولية، فمن المعلوم أن القوة والضعف من الأمور النسبية في هذا الوجود، سواء في الأفراد أو الجماعات أو الدول، فمن يستطيع من الأفراد حمل نصف قنطار مثلا أقوى ممن لا يستطيع حمله، وأضعف ممن يحمل القنطار الكامل، وهكذا تكون جماعة أقوى من جماعة، وأمة أقوى من أمة، في العلوم أو الفنون أو العزمات النفسية أو الحروب أو غير ذلك من الأمور، والمسلمون كأمة أو أمم على مسرح الحياة لا يخرجون عن هذه النسبة، والمرء كثير بأخيه، وقد يعتبر عزيزا بجماعته القوية، وإن كان ضعيفا ضعفا حقيقيا أو ظاهريا، كما قال قوم شعيب لنبيهم: وأنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك.
فمتى أرادت أمة من الأمم الانتصار على غيرها أو إفساح المجال لنشر مبادئها لابد أن تتكتل وتوحد صفوف جماعتها، حتى تكون لها من القوة المادية والمعنوية ما تتكافأ به مع غيرها، بل تزيد عليه لتستطيع التغلب والانتصار، وهذه القوة تختلف بحسب الزمان والمكان، ولكن من العوامل الأساسية التي لا يستغنى عنها الصبر والثبات وقوة العزيمة النفسية، وإن المبادئ التي تكيفت بها المجتمعات البشرية قد كانت في مبدأ أمرها في دائرة ضيقة انتشرت بطريق الدعوة إليها حتى أصبحت أفكار ومبادئ جماعة ثم مبادئ حياة أمة سواء كانت أفكار سياسية أو مبادئ دينية. إلا أن التاريخ يحدثنا أن المبادئ أو الأفكار لابد لها من قوة تسندها لتستقر استقرارا نهائيا في المجتمعات البشرية، فالدين المسيحي مثلا لم يستقر كدين لأمة لو بقى على مبدئه الأول في المعاملة، من ضربك على خدك الأيسر أدر له خدك الأيمن، لو لم يجد من يسنده بالقوة كالملك قستنطين وأمثاله.
أما الدين الإسلامي فهذه المسألة لا تضمن انتشاره ولا انتصاره وليس ذلك من طبعة ولا من عقيدته لأنه يريد أن يكون قويا عزيزا وموقفه من الجماعات الأخرى أن يدخلوا في السلم والإسلام الذي دعاهم إليها أو يقبلوا حمايته ويكونوا تحت ذمته وهم على ديانتهم أو يكونوا معه في حرب تنتهي بانتصار أحد الفريقين والمسلم إما أن يعيش سيدا سعيدا أو يموت شهيدا مجيدا، فهو كما قال الشاعر العربي أبو فراس:
ونحن أناس لا توسط بيننا
لنا الصدر دون العالمين أو القبر