وغادر السفير طنجة إلى فاس لتقديم أوراق اعتماده إلى جلالة السلطان، وكان مصحوبا بزوجه وهي من النبيلات الروسيات. وحيث أن الرحلة بين العاصمتين -الدبلوماسية والملكية- كانت تستغرق نحو الأسبوع، فإن عقلية السفير كانت تقصر الليل في تقييد ملاحظاتها عن الرحلة وعن ارتساماتها عما ترى وتسمع. وقد تركت لنا شبه مذكرات يومية لا تخلو من طرافة مثلما كتبت عن طريق المغرب التي لم تكن على ما يرضي إذ ذاك فقالت: «أوصي المغاربة بأن لا يعبدوا طرق بلادهم، لأن الطرق المعبدة تعين على احتلال هذه البلاد» ولكن مع الأسف فإن الاحتلال لم يقف أمام هذا المانع، كما أن التعبيد والحمد لله لن يحول بين المغرب وبين الجلاء.
وانحصرت مهمة السفير الروسي في شأن واحد وهو إسناذ فرنسا في تدخلها في شؤون المغرب ذلك التدخل الذي أد ى من جهة المغرب إلى عقد مؤتمر الجزيرة الخضراء أولا إلى فرض الحماية على المغرب من جهة فرنسا ثانيا.
ونعلم من مراجعة ما كتب عن مؤتمر الجزيرة الخضراء أن مندوب روسيا لم يبد رأيا فيما راج من القضايا والشؤون مخالفا لما كانت ترتئيه الكتلة الغربية إذ ذاك وهي فرنسا وانكلترا واسبانيا حيث ايطاليا وقفت موقف الوسيط والحكم بين الكتلتين مع تحيز ما لجانب هذه الكتلة رغما عن اتحادها مع ألمانيا والنمسا.
فكان السفير الروسي يطأطئ الرأس للمقترحات الفرنسية من البداية إلى النهاية.
وبعد انفضاض مؤتمر الجزيرة الخضراء رجع السفير الروسي إلى طنجة ثم منها إلى بلاده. ولم يعين فيما نعلم خلف له حتى عين في عهد جلالة الملك محمد الخامس سفير لروسيا على أسس جديدة وفي ظروف أصبح للمغرب فيها من الشأن ما لم يكن له في مستهل هذا القرن.