تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أن يكون ذلك القسط حصة الأسد وهي مدينة الأستانة واحتلال مضيق البوسفور وهو باب البحر السود الذي تعتبر حوضا خاصا بها.

على أن التوتر الموجود الآن في العلاقات بين الدولتين هو وليد لذلك التراث الذي ورثته روسيا الشيوعية من روسيا القيصرية، والذي يتخلص في كون الدولتين خاضتا غمار الحرب بينهما ثلاث عشرة مرة كانت الأخيرة من سنة 1914 إلى سنة 1917. وما يقال في حق روسيا وتركيا يمكن أن يقال في حق إيران في علاقاتها مع روسيا، وكل ذلك من البديهيات التاريخية التي لا يجهلها إلا من يتجاهلها لحاجة في النفس، وحيث أن الأمر كذلك، فليضع من يحملون على حلف بغداد نفسهم موضع ساسة هذه الدول. فهل يستجيبون في سياستهم دواعي التاريخ والجغرافيا أو يجرون مع العواطف التي لا تتفق مع واقع دولهم لا في القديم ولا في الحديث؟ ليست السياسة شيئا غير ما يريده التاريخ والوضع الجغرافي من رجال الحكم والدبلوماسية، ليس لها أدنى علاقة بالعاطفة إلا إذا أريد بها تمتين الروابط أو تبادل المصالح التي تزيد في سلامة أمن الدولة وحفظ كيانها وحماية ترابها. ونحن هنا لا ندعو إلى الانضمام إلى حلف يعينه وإنما نقرر ما ثبت في التاريخ وأكدته الدبلوماسية في واقعيتها التي لا تقبل الجدل.

وكان المغاربة لا يجهلون أن روسيا القيصرية كانت عدوة لدولة الخلافة. ولذلك أبت همة السلطان المولى عبد الرحمان إلا أن يهنئ آل عثمان على النصر على روسيا سنة 1854 بعد حرب القرم، ولذلك أسفر عنه في هذه المهمة عبد الكريم راغون التطواني. ولم تحرز تركيا على النصر إلا لتدخل فرنسا وانجلترا خشية منهما على مصير الأستانة لو أن النصر كان حيفا لروسيا. وإذا لم يشارك المغرب في هذه الحرب إلا بصفة (أفلاطونية) فما ذلك إلا لبعد الشقة بين ميدان الحرب وفقدان أسطول قوي بيد الدولة المغربية إذ ذاك.

نعم لم تنشأ علاقات بين المغرب وروسيا إلا في مستهل هذا القرن نظرا للبعد الشاسع بين القطرين ونظرا لانعدام المصالح بين الدولتين، وأما العلة في خلق هذه العلاقات فإنها كانت في رغبة فرنسا في تعزيز موقفها في المغرب وفي شؤونه لحليفة لها تستعين بها على ألمانيا التي كانت تساومها في المصالح والنفوذ في المغرب.

وقبل إنشاء مفوضية روسية في طنجة كانت مصالح روسيا على قلتها في رعاية سفارة اسبانيا. وبعدما أنشئت كان عملها مقتصرا على الشؤون الدبلوماسية، وبقيت الشؤون القنصلية إلى رعاية اسبانيا في مدن الإيالة الشريفة، ولم يكن للسفارة الروسية حتى ترجمان للاتصال بالمغاربة، وكان يقوم بهذه المهمة أحد تراجمة السفارة الاسبانية، فكانت السفارة عبارة عن سفير ملحق لا غير. ويقول مؤرخو هذه الفترة من الدبلوماسيين بأن السفارة الفرنسية اندهشت لما لم يطلب منها إعارة ترجمانها لمساعدة السفير الروسي في مهنته.

وقبل إنشاء هذه السفارة اقتصرت العلاقات بين الدولتين على رحلة قام بها أحد أمراء أسرة روما نوف في المغرب في عهد المولى عبد العزيز وذلك سنة 1899، وطلب الإذن في هذه الرحلة بزيارة القصر السلطاني بواسطة السفارة الاسبانية، ثم اخترق المغرب من غرب إلى شرقه حيث قصد الجزائر.

ولما علم المولى عبد العزيز عزم روسيا على إنشاء سفارة لها بطنجة بعث سفارة عنه لبلاط سان بطرسبورج حيث استقبله نقولا الثاني (وسننشر مقالا خاصا بهذه السفارة).

وعين السفير الروسي قي المغرب وهو لكونت دوباشراشت.

وكان قبل تعيينه في المغرب ملحقا بسفارة روسيا في لشبونة، وكان كاتبه أحد أمراء الأسرة المالكة وهو الأمير كاكرين، ثم تلاه في نفس المنصب كانين.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٧٠