تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى حياة مرحة متناسقة طبيعية تتناسب مع المجتمع الذي يعيشون فيه. ومن تم يعتقد المربون الأمريكيون أن قيمة العمليات التربوية تتوقف بالطبع على مقدار الجهود الشخصية التي يجود بها الطفل في سبيل الحصول على المعلومات والخبرات التي تؤهله للانضمام إلى المحيط الاجتماعي الأمريكي بناء على خصائص هذا المحيط ومميزاته بالنسبة للمجتمعات الأخرى.

هذا ونظرا للروح الديمقراطية المهيمنة على هذا المجتمع بصفة لا يتسرب إليها الشك والارتياب، ونظرا للنظام الاقتصادي القائم على الرأسمالية التي تتمثل في شركات لا يحصى عددها، فإن النظم التعليمية والأساليب التربوية التي يعتمدها المربون في الولايات المتحدة تهدف جميعا إلى إعطاء الأطفال الفرصة للتعبير عما يدور في خلدهم بحرية مطلقة، وإكسابهم المهارات الكافية التي تمكنهم من التخصص الباكر، والمساهمة في الإنتاج الوطني، ويرى المربون في الولايات المتحدة أنه لا سبيل للوصول إلى ذلك الهدف غير أن من يعطى الطفل الحرية المطلقة في المدرسة، ويرفع عنه كل ضغط أو تشديد. والواقع أن الحرية متوفرة في المدارس على اختلافها كما أن الطفل يعامل فيها باعتباره كائنا حيا له كرامته وشخصيته، أما الوسائل التي تمكنه من اكتساب المهارات اليدوية والعقلية اللازمة فهي موضوعة تحت تصرفه بكل مكان، تعطيك البرهان على أن الحياة الأمريكية زاخرة بالمهن والصناعات لذلك نستطيع القول بأنه يوجد في الولايات المتحدة انسجام تام بين المحيط المدرسي والمحيط الاجتماعي وأن المدرسة الأمريكية مؤسسة ناجحة بالفعل لأنها متصلة مباشرة بالحياة.

على أن هناك طائفة أصبحت تتخوف من عواقب تلك الحرية المطلقة التي يتمتع بها الأطفال، وراحت تهيب بالمسؤولين أن ذلك قد يؤدي إلى انحلال في الجهاز التربوي وضعف في النتائج النهائية إذا ما ترك التلاميذ وشأنهم، يعملون ما يريدون دون مراقبة صارمة من طرف المعلمين، وهكذا نودي في الأيام الأخيرة بين المعلمين وغير المعلمين بضرورة إقحام الطلبة على العمل الشاق منذ الصغر والإقلاع عن الطريق التحريرية التي سلكها المربون الآن، وحتى لا يشعر الطفل بأن الحياة لهو ولعب، بل هي جهاد عنيف، مليئة بالعقبات والحواجز، لا يستطيع التغلب عليها إلا الذين استعدوا لمجابهتها بقلب ثابت وإرادة قوية. وغني عن التوضيح أن الذي كان سببا في تحويل رأي بعض المفكرين الأمريكيين الذين لهم اهتمام بمشاكل التعليم هي الرجة الكبرى التي أحدثها في الأوساط الأمريكية نجاح القمر الصناعي الروسي خلال السنة الماضية والذي إن دل على شيء فإنما يدل على أن روسيا أصبحت بعد تلك التجربة الناجحة تتبوأ المكانة الأولى بين الأمم في ميدان العلوم والاختراع.

ومع ذلك فإن الرأي السائد في أمريكا هو أن التعليم ناجح عندهم ومفيد ومنظم أحسن تنظيم لا فيما يرجع للبرامج والمناهج بل فيما يتعلق بالقوانين والنظم التي يسير عليها التعليم هناك في سائر أطواره.

نظام التعليم الأمريكي

تختلف النظم القانونية التي يرتكز عليها التعليم في أمريكا اختلافا بينا عما هي عليه في البلاد الأخرى وفي بلادنا بالأخص، فلا وجود لوزارة التربية الوطنية باعتبارها وزارة مستقلة بنفسها، بل تقوم مقامها وزارة تسمى وزارة التربية الوطنية والصحة والترقية لأن الأمريكيين يعتقدون بحق إن الهدف الأساسي من العملية التربوية هو مساعدة الأطفال ماديا وأدبيا حتى تنبثق مواهبهم العقلية واستعداداتهم الشخصية، هذا مع العلم أن نجاحهم في الحياة متوقف إلى حد كبير على صحة أبدانهم. ولما كانت رغبة المشرفين على التعليم هناك ترمي إلى تمهيد سبل النجاح أمام جميع المواطنين وخاصة أولئك الذين فاتتهم فرصة الدراسة المنظمة - إذ لكل واحد الحق في المعرفة وليس هناك سن معينة لتنمية معلومات الشخص وإكمال ثقافته- فرضت الحكومة بأمريكا على الجماعات أن تبقى مفتوحة خلال موسم الصيف حتى يستطيع أولئك الذين لم يتمكنوا من متابعة دراسة عادية إكمال ثقافتهم والالتحاق بركب زملائهم.

هذا وليس يوجد بأمريكا نظام تعليمي واحد يجري على سائر الولايات، بل لكل ولاية نظام إداري يتفق والخصائص التي تمتاز بها الولاية، إنما تشترك الولايات المتحدة كلها في أن القضية تنظيم التعليم تعود إلى الشعب الذي هو مسؤول عن إقرار مصير الولاية في هذا الميدان. وهذا النظام اللامركزي ينطبق على الولاية كلها التي تنقسم هي الأخرى إلى عدة مقاطعات، وكل مقاطعة تؤدي ضرائب يصرف بعضها في سبيل التعليم، وقد تبلغ أحيانا 80 في المائة من مجموع الجبايات، بينما يحتفظ بالباقي لتسيير المصالح الأخرى كتنظيف الشوارع وإجراء الأسلاك الكهربائية في البيوت والطرقات، ومد أنابيب الماء والمحافظة على الأمن إلى غير ذلك من المصالح التي تتوقف عليها حياة المقاطعة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٧٣