تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع1 /أكتوبر 1959 .............. ص 37

التعليم في الولايات المتحدة: أهدافه ومراحله

للأستاذ محيي الدين المشرفي

قام الأستاذ السيد محيي الدين المشرفي رئيس مصلحة التعليم الابتدائي الإسلامي بوزارة التهذيب الوطني والشبيبة والرياضة في أواخر السنة الدراسية الفارطة برحلة ثقافية عبر الولايات المتحدة، تمكن خلالها من الإطلاع على مدى تقدم المؤسسات الثقافية هناك على اختلاف أنواعها.

ونحن نرجو -بمناسبة افتتاح الموسم الدراسي الجديد- أن يجد حضرات المعلمين والمشتغلين بشؤون التربية في بلادنا - في هذا العرض الذي كتبه الأستاذ المشرفي على إثر عودته من رحلته، ما يفيدهم في أداء مهمتهم الوطنية والإنسانية السامية.

دعوة الحق

أهداف التعليم بأمريكا

لا يستطيع الباحث النزيه أن يصدر حكما عادلا على نظام التعليم القائم في المعاهد الثقافية بالولايات المتحدة ولا أن يقدر قيمة ذلك التعليم إلا إذا وضع في الميزان الفوارق الكبرى التي تمتاز بها هذه القارة الواسعة الأطراف بالنسبة لبعض الدول الأوربية لا من الناحية الجغرافية فحسب، بل من الوجهة السياسية والاقتصادية أيضا.

ومن البديهي أن سعة البلاد الأمريكية التي تضم خمسين ولاية تساوي مساحة كل واحدة منها مساحة المغرب مثلا، فرضت بالطبع على الحكومة الأمريكية التمسك بنظام اللامركزية بحيث أصبح لكل ولاية نظامها الخاص من الوجهة الاقتصادية والإدارية والثقافية، كما أن تغلغل المبادئ الديمقراطية في نفوس الأمريكيين وتمسكهم من الوجهة الاقتصادية بنظام رأسمالي صرف، كل ذلك من العوامل التي حملتهم على إنشاء مؤسسات ثقافية، الغاية منها إعداد أوفر عدد ممكن من المواطنين إعدادا يمكنهم من المساهمة في الحياة الاقتصادية الأمريكية بحظ وافر والزيادة بالتالي في ثروة البلاد.

والذي يبحث في النظام القائم اليوم بالولايات المتحدة يرى أن هذا النظام يختلف اختلافا بينا عن النظم المعمول بها في فرنسا مثلا وإسبانيا وإيطاليا التي استمدت، كما تعلمون، كثيرا من نظم حياتها الإدارية والثقافية من الحضارة اليونانية والرومانية، وإذا كان نظام المؤسسات الثقافية المعمول به في هذه الدول الثلاث يرمي إلى خلق الرجل الكامل من الناحية الفكرية، فالتعليم في أمريكا تعليم عملي قبل كل شيء، يهدف إلى إعطاء الطفل المهارات اليدوية والعقلية التي تجعله قادرا في أسرع ما يمكن من الوقت على الاستفادة من الحياة والانسجام مع المحيط الاجتماعي الذي ينتظره، فالتربية في الولايات المتحدة، على ما نعتقد، تتورع من أن تكسب المعلومات في أذهان الأطفال على حساب هذه الملكات لأن ذلك يتنافى مع رغبتها في الوصول بهم سريعا إلى مرحلة الخلق والابتكار والاشتراك في الحياة العملية التي تتوقف إلى حد بعيد على مقدار الحرية التي تترك للأطفال أثناء عملية التعليم، وعليه فلم تعد التربية بالنسبة للأمريكيين عملية قاسية تحارب نزعات الأطفال الفطرية وتصدها، بل هي عملية تحريرية غايتها تمهيد الطرق أمام قواهم الفكرية حتى تظهر وتقوى رغبة في الوصول بالأحداث

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٧٢