تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقط أحرارا في أن يقولوا باللسان أو بالقلم، من حسن القول وطيبه ما يشاؤون، بل هم فوق ذلك مطالبون بأن يعلنوا باللسان أو بالقلم ما يرونه كفيلا بإصلاح المجتمع بإرشاد الضال، وإقامة المعوج، وإرجاع الظالم إلى الحق إرجاعا، «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» [آل عمران: 104]، «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» [آل عمران: 110]، «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا» [البقرة: 83]، «لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ» [النساء: 114].

ولئن أعلنت الوثيقة الفرنسية في مبدئها الأساسي الثالث «إن المواطنين الذين تتكون منهم الأمة الحق المطلق في إدارتها» فإن الوثيقة القرآنية قد أعلنت من قبل ذلك بمئات السنين؛ عن صاحب الحق في إدارة شؤون الأمة عليه أن يشاورها في الأمر كله، وإن لا يستبد بالأمر دونها، وأن الأمة لها الحق في أن تنازعه، وإن توقفه عند حده فيما لم تره من التصرفات يجري على غير ما تقتضيه مصلحتها المرسلة، ومنفعتها العامة، «وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» [آل عمران: 159] «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ» [النساء: 59].

ولئن أعلنت الوثيقة الفرنسية في مبدئها الأساسي الرابع «أنه يجب على الأمة صاحبة السلطان أن تضع نصب عينها دائما حقوق الأفراد من جهة، والمصلحة العامة من جهة أخرى» فإن الوثيقة القرآنية قد كفلت كل حقوق الأفراد والجماعات، وأوصت بالمحافظة عليها، والضرب على يد من يريد الإساءة إليها والتعدي عليها، «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ» [النحل: 90] «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ» [النساء: 58] «إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ» [المائدة: 33]، بل إن الوثيقة القرآنية فوق ذلك قد أوجبت القتال في سبيل الدفاع عن حقوق المستضعفين في الأرض «وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا» [النساء: 75] .. لقد كفلت الوثيقة القرآنية للإنسان كل حقوقه بالجملة وبالتفصيل وهدته المثل العليا، وإلى السبل التي حققت له بالفعل هذه المثل، وجعلتها حية تمشي على الأرض في شخص رجل الدولة، وفي شخص رجل الشارع معا.

اعترف (بارتيليمي سانتهيلير) أن رجل السياسة الفرنسي اضطره التطبيق العملي، ومراعاة العواطف والميول والأغراض في الميدان السياسي، إلى نسيان المبادئ التي أعلنتها الوثيقة الفرنسية ولقد زعم زاعم7) «أن النبي لما صار رئيسا سياسيا تغير عما كان عليه لما كان لا يزال طامحا في الرئاسة، وأن الحكومة الثيوقراطية من حيث السياسة الفعلية تغيرت عنها لما كانت فكرة، وعلى هذا صار الطابع السياسي يزداد بروزا والطابع الديني يزداد تراجعا».

غير أن تاريخ الرسول وتاريخ رجال السياسة الإسلامية من بعد الرسول، يدل دلالة قاطعة على أن هذا الزاعم لم يعتمد في دعواه على حجة علمية بالغة، وسند تاريخ قوي.

كان محمد في أول قيامه بالدعوة الإسلامية النبي المسلم، والرسول المكافح في سبيل نشر المبادئ الإسلامية ومثلها العليا، وتركيزها وغرسها في نفوس الناس، وعندما أصبح نبي الله نبيا سياسيا كرجل للدولة وكقائد مظفر، فهل فتنته نعمة الحكم عن الذي أوحي إليه؟ هل أخرجته عن مبادئه التي كان يكافح من أجلها من قبل أن يكون حاكما؟ هل أصبح بعد الحكم القائد الصلف، والحاكم المستعلي، والسياسي المداور؟ هل استغل أو انتهز أو تكبر وتجبر؟ هناك الأمثلة الرائعة تحتويها شمائل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وهي حجة قاطعة على أن رجل الدولة في الجماعة الإسلامية، ظل بعد الحكم نبيا، كما كان قبل الحكم نبيا، وظل بعد الحكم إنسانا، كما كان قبل الحكم «إنسانا» وظلت جملة «إنما أنا بشر» تتصدر كل كلماته الشريفة التي يلقيها على الناس في الحياة وشؤون الحياة.

7) يوليوس فلهوزن في كتابه تاريخ الدولة العربية، ترجمة الأستاذ محمد عبد الهادي أبو زيدة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٦٢