على كل سياسات الرسل من قبله، بما أنه كان سياسيا «عالميا» على حين كان الرسل من قبله ساسة «أمميين» «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ» [هود: 25]، «وإلى عاد أخاهم هودا» [هود: 50] «وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا»، [هود: 61] «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ». [سبأ: 28]
وإن محمدا كعقل إنساني كلف من قبل رب البشرية إلى هدايتها إلى طريق تمتعها بحقوقها وقيامه بواجباتها، كان يستمد علمه بقوانين هذه الهداية من السماء، من الوحي، ولكي يسلم هذا العلم بشؤون هداية الناس وأساليب سياستهم وقيادهم من الضلالات والانحرافات، وتأثير الظروف والبيئات، وكل أنواع المؤثرات على العقل وعلى العاطفة، منع الوحي محمدا أن يصغي لغير نداء هذا العلم الذي هو وحده العلم الحق وغيره الضلال، والذي هو وحده العلم وغيره الجهل، ذلك أنه وحده العلم الصادر عمن خلق العقل وغير العقل من أشياء يتأثر بها العقل مهما كان مبلغ طبيعته من الاستقلال في التفكير وفي الإدراك وفي الحكم، ومن ثم جاء الوحي ينهى محمدا أن يتبع أهواء الذين لا يعلمون، وأن يتخذ من ظنون الناس وتخرصاتهم بديلا بعلم الله «قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ» [البقرة: 120]، «وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ» [الأنعام: 116]، «ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» [الجاثية: 18]. وبما أن علم محمد بقوانين سياسة الناس وهدايتهم إلى الخير كان مستمدا من الوحي فقد كان محمد ينطق في كل شيء بالعلم لا بالهوى، وتصدر جميع أعماله وسلوكه السياسي في كل ذلك تبعا لمقتضيات هذا العلم «وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى».
وفي هذا جاء حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم «كان خلقه القرءان» 6) ومن ثم أيضا لم يقل محمد من شيء من العلم بالأشياء أنه أوتيه من عنده، بل كان دائما شعاره «اللهم تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر وأنت علام الغيوب».
ومن ثم أيضا كانت سياسة محمد للناس وقيادتهم سياسة «المبدأ قبل الغاية» لا «الغاية تبرر الوسيلة» ومن ثم كانت سياسة محمد لا تحفل بالمنافع الحاضرة ولا تتبع أسلوب الدوران واللف، ومن ثم وفقت سياسة محمد في الأخذ بزمام الإنسانية للتمتع بحقوقها، وجعل هذه الحقوق محققة الوجود العملي في كل ميادين الحياة الإنسانية، والحجة ثابتة، والتاريخ شاهد.
اعتبر (بارتيليمي سانتهلير) أن وثيقة «حقوق الإنسان» الفرنسية هي أول صك مكنته الجمعية التأسيسية الفرنسية للإنسان ليخوله التمتع بما لم يتمتع به من حقوقه الطبيعية من قبل إعلان هذه الوثيقة، ولقد غفل (بارتيليمي سانتهيلير) عن أن التاريخ أثبت أنه كان هناك من قبل «وثيقة حقوق الإنسان الفرنسية» «وثيقة حقوق الإنسان القرآنية» فإذا كانت الوثيقة الفرنسية قد أعلنت سنة 1789 في أول مبادئها الأساسية «أن الناس قد ولدوا أحرارا متساوين في الحقوق» فإن الوثيقة القرآنية قد هدمت من قبل ذلك بما يزيد على ألف ومائة سنة كل اعتبار للحسب والنسب واللون والطبقة والجنس، وأعلنت في العبارة القدسية على لسان النبي محمد، أن الحرية الإنسانية والمساواة الإنسانية مكفولة لكل من ولد من بني آدم من ذكر وأنثى، وأنه لا فضل لإنسان على إنسان إلا بالتقوى، بالعمل الصالح للفرد وللجماعة في المجتمع الإنساني بأسره «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» [الحجرات: 13].
ولئن كانت الوثيقة الفرنسية قد أعلنت في مبدئها الثاني «إن الناس يمكنهم أن يفعلوا ما لا يضر بالغير، ويمكنهم بناء على ذلك أن يفكروا وأن يكتبوا وأن يطبعوا في حرية» فإن الوثيقة القرآنية قد أعلنت من قبل بمئات السنين، أن الناس أحرار في أن يفعلوا ما يشاؤون وان يتمتعوا بما خلقهم الله للتمتع به بما يشاؤون، ما لم يتعدوا حدود شريعة الله، أو يعتدوا بغير حق على حقوق عباده «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [الأعراف: 32] «قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ» [الأعراف: 33] «إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ» [الشورى: 42]
أما عن حرية القول والكتابة والنشر فإن الوثيقة القرآنية تعتبر أن الناس ليسوا
6) مسلم وابو داوود واحمد.