تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذي جعله خالق الإنسان لأعمال الإنسان عصمة و «حدودا» يقول (ألدوس هكسلي): «إن العقل الناقد قسوة محررة إلى حد ما، غير أن الوسيلة التي بها يصير ذا فائدة تتوقف على الإرادة، وحينما لا تكون الإرادة نزهة وغير متحيزة فإن العقل يصبح يصبح وسيلة لتحكيم الأهواء والأوهام وتبرير المصالح الخاصة، وهذا هو السبب الذي من أجله كان أولئك الفلاسفة الأذكياء الذين حرروا أنفسهم بكيفية تامة، من السجن الضيق لعصرهم وبلدهم من القلة بحيث لا يذكرون» 2). والذين بما أنه الخاصة الإنسانية التي لم يستطع الإنسان أن يستغني عنها في أي حقبة من أحقاب تاريخه المتعاقب، فإنه هو وحده القوة التي تستطيع أن تمسك بزمام العقل وتربطه برباط الإرادة الطيبة التي هي شرط في أن يكون العقل أداة بناء لا أداة هدم، وأداة إصلاح لا أداة إفساد؛ ولقد كان الشاعر الفيلسوف ميخائيل نعيمة من الشعراء المهتدين حين أدرك ما للعقل من قابلية الوقوع في الضلال والحيرة والشك، وعبر عن هذا المعنى في شعره الرائع من قصيدته «ابتهالات» حين قال:

فإذا ما راح فكري عبثا في صحاري الشك يستجلي البقاء

مر منهوكا بقبلي فجثا ثانيا يمتص من قلبي الرجاء

أما إذا كانت هناك قيمة يجب أن تعطى للتاريخ، فهي قيمة العبرة والتأييد والاستشهاد والاستئناس، لا الاعتماد العلمي، والمراقبة الأساسية؛ ولقد تفطن لهذا المعنى العلامة ابن قيم الجوزية حين قال: «إن الإنسان يجب عليه لتتميم سعادته وفلاحه أن يعرف تفاصيل أسباب الشر والخير ويكون له نصيره في ذلك ما شهده في العالم وما جربه في نفسه وغيره، ومع أنفع ذلك تدبر القرآن، فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه وفي أسباب الخير والشر جميعا مفصلة مبينة؛ ثم السنة، فإنها شقيقة القرآن وهي الوحي الثاني، ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما عن غيرهما، وهما يريانك الخير والشر وأسبابهما حتى تعاين ذلك، فإذا تأملت أخبار الأمم وأيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته طابق ذلك ما علمته من القرآن والسنة، ثم قال: «فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرفنا الله ورسوله من الأسباب الكلية للخير وللشر3)» وهو في كتاب السياسة الشرعية يثبت «أن من له ذوق في الشريعة واطلاع على كمالاتها وأنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، ومجيئها لغاية العدل الذي يفصل بين الخلائق، وأنه لا عدل فوق عدلها ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح، وعرف أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها، وأن من له معرفة بمقاصدها ووضعها مواضعها وحسن فهمه فيها لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة، فإن السياسة نوعان سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر بعين الشريعة، علمها من علمها وجهلها من جهلها».

وفي الدراسات الاجتماعية والسياسية المعاصرة الرامية إلى تحديد المثل والأهداف العليا للإنسانية نجد أن الكاتب الانجليزي الذكي (ألدوس هكسلي)، الذي أدرك أن الأنانية السياسية هي أسباب الفساد في السياسات الحاضرة، وأنه لا سبيل إلى الإصلاح الصحيح إلا بالرجوع إلى الدين الصحيح، هو الذي أدرك الداء في مكمنه، والحقيقة في أصلها، لقد أدرك (هكسلي) عن وعي أن جميع الأمثلة التي رسمت في عصره ومن قبل عصره لأن تكون المثال المحتذى لعالم أفضل، وحياة مثلى، غير حرية بأن تكون ذلك المقام المطلوب أن تتبوأه الجماعة البشرية فوق هذه الأرض، وهي أسعد ما تكون، وأعدل ما تكون، وأكثر جمعا لعناصر الخير والحب الأخوي، ذلك أن جميع الهيئات والجمعيات وأكثر الفلاسفة والمفكرين الذين رسموا تلك الأمثلة وخططوا الطرق الموصلة إليها كانوا عرضة لتأثير البيئات والظروف المحيطة، كما أن الهوى والتعصب كان الديدن والشيمة المسيطرة على هؤلاء، وعلى من أطاعهم طاعة عمياء، واتبعهم تبعية تقليدية جازمة بغير دليل ولا برهان. وبخصوص الخطط السياسية للقرن العشرين -القرن الذي سمى العالم السياسي والاقتصادي «جستاف شتلبر» ما بعد سنة 1914 «عصر الخرافة» وقال4): «إن الجماهير الجاهلة ورجال

2) نقلت هذه الفقرات من الأصل الانجليزي لكتاب «الغايات والوسائل» لهكسلي، حيث لم يترجمها مترجمه الأستاذ محمد محمود، أما ما سأنقله من كلامه بعد، فهو منقول من الترجمة العربية للكتاب.

3) الجواب الكافي.

4) عصر الخرافة، تعريب محمد علي أبو درة ص 29 ج 1.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٥٩