دعوة الحق، س.3، ع1 /أكتوبر 1959 .............. ص 23
السياسي المسلم
للأستاذ محمد الحمداوي
لو أن (بارتيليمي سانتهيلير) الذي صرح بحق قائلا1): «إن السياسة وهي مستغرقة في مشاكل الساعة لا يسعها أن تسمو إلى المبادئ، وإن رجل السياسة بما أنه يرعى المصالح، ويخدم الشهوات، ويسعى للتوفيق بينها -ولو أنه قد شارك في أمرها- يتزلزل رأيه، ويعمى بصره، وتوقعه المنازعات اليومية في الحيرة في أن يقول بأي نور سام ينقاد».
لو أن هذا العلامة الفرنسي - إذ يئس من أن السياسي الراغب في النجاح القريب والمطمع الخاص، يطابق سلوكه بالمبادئ الأساسية التي قامت عليها دعوته أول الأمر- جعل من بعض دراساته السياسية والأخلاقية، البحث عما يمكن أن يجده من النماذج الحية للسياسة التي تجعل الصلة المحكمة بين المبادئ والغايات، ولا تبالي بعد بالنتائج المحصلة إلا إذا كانت وفق تلك المبادئ وضمن حدودها، لو أنه فعل ذلك لوجدت في تاريخ «السياسي المسلم» المثل الأعلى للسياسة التي حددت «فكرة» وعملت على أن تبني عليها كيان المجتمع بأسره، ولكان قد أضاف بذلك إلى دراساته السياسية والأخلاقية والفلسفية الزاخرة بالعلم وبالفائدة وبالعمق حقا، شيئا من العلم وشيئا من الفائدة، غير أن مترجم أرسطو وناقد الفلاسفة، قد حصر الثقة في العقل البشري المجرد، وفي المنهج العقلي، وبالتالي في «السياسي الفيلسوف» فوقع في شيء من التهافت على حين قد وقع في شيء من التحيز القومي أيضا، فهو بالرغم من أنه صرح بأن الفيلسوف على استقلاله الشخصي لا يخلص تماما من تأثير القرن الذي يعيش فيه، وأنه عبثا يحاول التجرد، بما أنه دائما يتصل بزمانه، وأن الدولة المثالية التي يرسمها أفلاطون يتسنم فيها روح السياسة الإغريقية، وأن حكومة الفرد التي كان يحلم بها (منتسيكيو) هي حكومة الفرد الوحيدة المقيدة في كل أوربا، وأن أعمال الفلاسفة مهما يظهر عليها أنها شخصية فإنها أيضا مظاهر اجتماعية. إنه بالرغم من إدراكه لهذه الحقائق واعترافه بها يناقض نفسه ويعلن «أن الأولى باسترعاء النظر من بين جميع الأعمال المختلفة الأنواع والتي كلها باعتراف الإنسانية بجميلها هي أعمال الفلاسفة فإنها قد ساعدت على بلوغ النتيجة العامة». وهو في الوقت الذي يقرر فيه «أن هدى رجال السياسة ينطفئ نوره غالبا في سجلات التاريخ» «يطالب الفيلسوف السياسي بأن يعتمد في تحديده لمبادئ السياسة العليا على السيكولوجيا ويجعل دراسة التاريخ مراقبة لهذه الإدراكات السيكولوجية».
إنه إذا كان لا بد لنا من أن نعتمد على العقل -بدل الهوى- بما أنه القبس الإلهي الذي خصصت الحكمة الإلهية به إنسان هذه الأرض من بين سائر المخلوقات، وكان لابد لنا من أن نجعل على هذا العقل «مراقبة» تقيه التلف في متاهات الشهوات والشبهات، فإن هذه المراقبة لا يحق أبدا أن تكون للتاريخ أنها للدين، الدين
1) جميع ما يدور عليه موضوع المقال من كلام (بارتيليمي) هو منقول من مواضيع مختلفة، التصرف اللفظي، من مقدمته على كتاب السياسة لأرسطو.