والواقع أن هذا الاجتماع المفترض سيستهدف - في أساسه - معالجة كثير من نقط الخلاف في العلاقات بين المغرب وفرنسا، ولكنه أيضا سيكون مناسبة لإثارة بعض النقط الجوهرية التي تتصل بموضوع الجزائر من قريب أو بعيد، وعلى الرسم بعض التأكيدات الموجبة باستبعاد هذا الموضوع من المحادثات فإنه يبدو راجحا - بعض الشيء - إن طبيعة المشكل وارتباطاته الشديدة بموضوع العلاقات الفرنسية المغربية، سوف لا تقصر عن فرض الموضوع على جو الاجتماع بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ومن الواضح أن الجانب المغربي في المحادثات يود -على الأقل- رؤية الفريقين يندمجان في جو تفاوض ودي وهادف، والذي يتجه إليه الرجاء هو أن يكون الجانب الفرنسي في وضع يمكنه من الإحساس بنفس الشعور. على أن هناك بين الجانبين ولا شك نقط اتفاق لها أهميتها الأساسية والجوهرية، ومن بينها الرغبة المشتركة في وضع حد للصراع المستمر في الجزائر، غير أن مفهوم الحل الذي قد يتخذ قاعدة لهذا الإنهاء هو - بالضبط - نقطة التباعد الكبرى بين الفريقين.
ففي الوقت الذي يبدو فيه الجزائريون، وهم لا يتصورون أن يستمروا وحدهم في العالم المظهر الوحيد لبقايا الحركات التوسعية الأوربية في القرن التاسع عشر، يوجد الغلاة وهم لا يريدون أن يدركوا أن هناك حلا غير الإدماج المطلق، يمكن أن يكون صالحا لإنهاء المشكل القائم، ومن هنا كان مصدر هذا المظهر الدراماتيكي العنيف، الذي نتطبع به المشكلة، ويكاد يضفي عليها صيغة المأساة الإنسانية الرهيبة.
والواقع أن عهد الجنرال دوكول لم يكن - كما رأيناه مرارا - إلا عاملا على استمرار أسباب هذه المأساة ونعقد جوانبها، وتضاعف حدتها بصورة تفوق كثيرا تلك التي تميزت بها من قبل العهود الاشتراكية والراديكالية السابقة، ويؤول ذلك بالطبع إلى الملابسات التي أحاطت بقيام هذا العهد والظروف التي تكتنف وجوده الحالي، ومن بين أهم هذه العوامل:
1) اعتماد النظام الحالي في منشئه وفي استمرار وجوده على ولاء الغلاة ومساندتهم.
2) الحالة التي يوجد عليها الوضع الحزبي والتركيب البرلماني في الوقت الحاضر.
3) تضاعف مشاعر التخوف من إمكانية حصول قطيعة كلية أو جزئية بين فرنسا وغلاة الجزائر، وذلك على النحو الذي أصبح يهدد به الكثيرون من قادة هؤلاء الغلاة.
وإذا كان الأمر كذلك، ففي أي إطان يمكننا أن نضع التلويحات التي تكاثرت في أوساط الشهر الماضي، والتي ترتكز معظمها حول إمكانية التوصل لحل أساسي لمشكلة الجزائر؟ هل يجوز لنا أن نقدرها كبادرة دعائية أخرى تندرج ضمن نطاق الحرب السيكولوجية في إطارها الدولي؟ أم يمكننا أن نستدل منها على احتمال طرؤ تغير جزئي أو جذري في موقف المسؤولين الفرنسيين إزاء المأساة العالمية؟
لقد أمكننا أن نستشف من احتمالات الموقف الفرنسي الرسمي - كما تؤكد ذلك بعض الأسبوعيات الباريسية - أن هناك ما يجور أن يكون برنامجا تمهيديا لإيجاد حل معين.
أما تفاصيل هذا البرنامج - الذي قد يتبناه دوكول ذاته - فتتركز في نقطتين أساسيتين:
1) التوقف عن إطلاق النار، مع السماح للقوات الوطنية (وهذا هو المهم) في الاحتفاظ بمواقعها الحالية وضمان استمرار سيطرتها على المناطق التي تقع تحت سلطتها المباشرة.
2) إيجاد حل سياسي عن طريق الاعتماد على سلسلة من العمليات الانتخابية بعيدة المدى.
تلك هي الخطوط العريضة للمشروع، ومع افتراض صحة مضمونة ومأتاه، فإننا نلحظ - مع ذاك - أنه لا ينطوي - كسابقيه - على أية عناصر جوهرية جديدة، إلا فيما يتصل بالتخلي عن المطالبة بالاستسلام العسكري، كما كانت تستجوب ذلك العروض الفرنسية السالفة.
والواقع أن البرنامج في أساسه يكاد يلتقي في كثير من الجوانب مع المناهج الذي كان قد تبناه «مولي» خلال فترة وجوده على رأس الحكومة الاشتراكية الفرنسية السابقة.
فقد كان الزعيم الاشتراكي الفرنسي يرى أنه من الجائز فض المشكل عن طريق الاستشارات الانتخابية، ولهذا فقد عرض منهاجه الذي كان قد وجه عن طريق المناشير من الجو، إلى ضرورة