فقدها إلى الشط الأمين سفينة تقاد فها في سيرها المد والجزر
وخضها فعين الله يقضي ونوره دليل، ونجواه المعونة والأزر
وقل إن جرؤ شاعر في فترة الحماية على أن يتحدث عن تلك الآمال بمثل هذه الجرأة، فكثيرا ما يعمد أكثر الشعراء إلى التلميح في بيت أو بيتين، بينما تحفل باقي الأبيات بأوصاف ومعاني مكرورة ليس فيها من جديد، ولا تجسم بحال سر شخصيته الفذة التي تميزه عن الملوك في كل زمان ومكان، والحلوي نفسه لم نعهد منه مثل هذه الجرأة في قصائد الأعياد الأخرى، كما لم نعهد فيه هذا الإقلال من تلك الأوصاف والمعاني القديمة التي نراها في " تحية العيد" نادرة، أو أضفى عليها حلة جديدة كقوله:
ولما أرادوها وألقوا حبائلهم إليك فألقيت الهدى بطل السحر
وهو قريب من قول ابن زيدون:
مضى نفثهم في عقدة السعي ضلة فعاد عليهم غمة ذلك السحر 2
وتحية العيد تحملنا على أن نشهد للحلوي بطاقة شعرية غنائية، ومتمكنة كل التمكن من أفانين القول عند الأقدمين:
فولت فلول الشر يقتلها الأسى وأوجههم صفر وأيديهم صفر
ويحملها العيد السعيد عرائسها غلائلها نور وهالاتها نور
شمائلك الأزهار فواحة الشذى ووجهك وجه الروض يغمره البشر
عصامية في نبعة من نبوة وعزة ملك ملء أبرادها الفخر
وإذا كنا نلمس في هذه القصيدة مدى التقدم الذي حققه الحلوي في حدود القالب التقليدي بالنسبة لما سبق أن نظمه في نفس المناسبة، فإننا لا نلمس شيئا من ذلك عند الشاعر عبد المالك البلغيتي، وكأن شاعريته أحست أنها من الذروة بالمكان الأرفع، فانعدم فيها الطموح إلى المزيد من الإبداع، نقول هذا عندما نعرض لقصيدته " من وحي عيد العرش" 3 وقد نظمت وقصيدة الحلوي في سنة واحدة، ففيها نلتقي بشاعرية البلغيتي كما عهدناها فياضة زاخرة، متمكنة هي الأخرى من أفانين القول عند القدامى، في دائرة الموسيقى الاتباعية، والصيغ المأثورة، ولا نعدم فيها بعض الجرأة في الإشارة إلى الجانب النضالي عند محمد الخامس بكيفية أكثر حذرا مما رأينا عند الحلوي:
لمن الثبات على المبادئ عندما ذابت عزائم في مواقف تبهر
أموحدا شعبا غزاه تخاذل وتدابر وتخالف وتعثر
فتناسقت أغراضه وميوله وغدا بواجبه المقدس يجهر
يا عابرا بالشعب فوق سفينة لذرى النجاة بعزة لا تكسر
فدع الذين بغير شرعك آمنوا فهم الذين عن النجاة تأخروا
ومن الذي يرتاب فيك وائما نظروا بأعينهم يبصروا
إيمانك المثل الذي لو يتحذى بلغوا به ما يستحيل ويعسر
ذكرتهم بالله ثم بوعده والذنب ذنبهم الذي لا يغفر
2 - من قصيدته التي يمدح بها المعتمد ويرثي أباه المعتضد بالله، ومطلعها:
هو الدهر فاصبر للذي أحدث الدهر * * فمن شيم الأبرار في مثلها الصبر
3 - نشرت بنفس العدد الذي نشرت به قصيدة الحلوي (رسالة المغرب).