بل إنما قد جاء بنفس تلك الرسالة التي جاء بها كل نبي إلى قومه في كل زمان (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده) وأنه ما بقيت ناحية من نواحي الأرض كجزيرة العرب أو مصر أو إيران أو الهند أو الصين أو اليابان وأوربا وأمريكة وإفريقية وما إليها، محرومة من الاستنارة بنور هذه الرسالة حيث قد جاء إليها رسل الله بكتبه ولا يبعد أن ولا يبعد أن يكون بودا وكرشن وراما وكنفيوشس وزرديتش وماني وسقراط وفيثا غورت وغيرهم من هؤلاء الرسل، إلا أن الفرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وهؤلاء الرسل أن قد ضاعت تعاليمهم الأصلية في مجاهل اختلاف ولا يزال تعليمه عليه الصلاة والسلام محفوظا في صورته الأصلية دون أن يداخله شيء من تحريفات الناس.
فالحقيقة أن ليس الإسلام بدين من أديان البشرية، بل هو دينها الأصلي الوحيد، وليست سائر الأديان إلا صوره المحرفة الممسوخة المتعددة فكل ما يوجد في هذه الأديان من الحق والصدق، إنما هو بقية باقية من أثر ذلك الإسلام الذي جاء إلى الجميع ولكنهم أضاعوه في اختلافاتهم، وعلى قدر ما يوجد من مقدار هذا الحق المضاع في دين من الأديان، يوجد فيه الإسلام. أما الاختلافات التي توجد في هذه الأديان متخالفة متعارضة مع " الإسلام "، فلا شك في بطلانها ومن الظلم الصريح الحكم عليها بالصحة والصدق. وبدل أن نتظاهر بالتسامح الكاذب، يجب علينا أن نقول بكل صراحة لجميع إخوتنا في الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها " هلموا أيها الإخوان وكفوا عما أنتم عليه من العصبية وضيق النظر وأقبلوا الحق الصريح والصدق الخالص الذي لا تشوبه شائبة من الأوساخ والأدران ولا تظلوا متشبثين بأهداب الأشياء التي قد اختلط فيها الحق مع الباطل والصدق مع الكذب واليقين مع الشك، وليس الحق بوقف على الأمة التي تعرف اليوم باسم المسلمين بل هو مراث تشترك فيه الإنسانية بأجمعها وقد كان الله سبحانه وتعالى وزعه على جميع الأقطار والأمم والأنسال فإن كان غيرنا قد أضاعوه بسم عبادة المخلوقات والظلم والعدوان والامتيازات الجائرة الغاشمة، فإنما كان ذلك من سوء حظنا وحظكم معا، فما الذي يدعوكم إذن إلى أن تبقوا متشبثين بسوء الحظ هذا لا لسبب إلا لأن آباءكم كانوا قد تورطوا في هذه الغلطة، وأنه إذا كان محمد صلى الله عليه وسلم قد نال هذا الميراث من أن يختلط به سم عبادة المخلوقات والعادات القائمة على الظلم والعدوان والامتيازات الجائرة، فذلك من عين حسن حظنا وحظكم وحظ النوع البشري كله، فاشكروا الله هذه النعمة ولا ترددوا في الاستمتاع بها لأنها واصلة إليكم بواسطة رجل من العرب، وأعلموا أن الحق من نعم الله العالمية كالهواء والماء والنور، فإذا كنتم لا تربأون عن الاستمتاع بالهواء إذا كان آتيا إليكم من جهة الشرق، ولا تترددون في شرب الماء واستساغه لأن عينه متفجرة في الأرض الفلانية، ولا تأبون الاستمتاع بالنور لأنه ينبثق من مصباح فلان، فما بالكم لا تترددون في قبول نعمته الحق الخالص، التي قد وصلت إليكم بواسطة محمد العربي صلى الله عليه وسلم، لأن الذي قد جاء بها ليس مولده في وطنكم أنتم؟
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.