تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يغفل النضال في مجالات أخرى سياسية واجتماعية وغيرها. وأهمها نضاله في مجال الصحافة، الذي أبلى فيه البلاء الحسن. فقد أنشأ منذ سنة 1925 جريدة (المنتقد) أول صحيفة عربية حرة حملت راية الكفاح ضد الاستعمار وعملائه، وعبرت بشجاعة وصراحة عن رغبات الشعب وآماله الوطنية، واتخذت شعارا لها: "الحق فوق كل واحد والوطن قبل كل شيء" هذا الشعار الذي يتضح منه اتجاه الأستاذ في مبادئه. هاجم الاستعمار وأعوانه في صحفه التي أنشأها بشدة وعنف. وفضح أساليب السياسة الاستعمارية المتبعة لفرنسا في الجزائر ومسخ شخصيتها، والقضاء تدريجيا على دينها ولغتها، كما أعلنها حربا شعواء الدجالين والمشعوذين باسم الدين، الذين ما انفكوا يستغلون الجماهير الساذجة باسم الدين، والدين منهم براء. موضحا في الوقت نفسه تعاليم الدين الصحيح وآدابه المستمد من الكتاب والسنة، وعمل السلف الصالح ولم يعمر (المنتقد) طويلا لأن غلاة الاستعمار لم تستطع أن (تهضم) آذانهم لغتها، إذ لم تتعود على سماع مثل صراحتها. ثم أصدر الشيخ صحيفة (الشهاب) أسبوعية أولا ثم شهرية، ضرب فيها على نفس الوثر، وسار على نفس المنوال، وظلت تؤدي مهمتها الوطنية على خير الوجوه، إلى أن توقفت عن الصدور اتر إعلان الحرب العالمية الثانية. وإلى جانب هذا كان يشرف على توجيه الصحف الأربع التي أصدرتها جمعية العلماء، وعطلت كلها الواحدة تلو الأخرى، ما عدا (البصائر) التي ظلت تنازل العدو الكنود إلى ما بعد نشوب الثورة، حيث عطلت هي الأخرى كسابقاتها بعد كفاح مرير دام عدة سنين.

ويتجلى لنا مما سبق أن أثر جهاد الشيخ ابن باديس في ميدان الصحافة لا يقل عنه في ميادين أخرى، في بث الوعي القومي، وإثارة الشعور الوطني، وإيقاظ الأمة من سباتها، لتتدارك أمرها، وتبادر إلى معالجة أمراضها. وقبل أن أنهي هذا العرض السريع لبعض أعمال الأستاذ أود أن أورد هنا فقرة، واحدة، مما كان يراعه ينفثه في معرض الدفاع عن وجود الأمة الجزائرية كحقيقة ملموسة لا تقبل النكران. قال في أحد فصوله التي نشرتها مجلة الشهاب: "إننا نرى أن الأمة الجزائرية موجودة ومتكونة على مثال ما تكونت به سائر أمم الأرض، وهي لا تزال حية ولم تزل. ولهذه الأمة تاريخها اللامع، ووحدتها الدينية واللغوية، ولها تقاليدها الحسنة والقبيحة كمثل سائر الأمم. وهذه الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا تريد أن تصير هي فرنسا، ومن المستحيل أن تصبح هي فرنسا ولو أجبروها ... ". ولتفنيذ مزاعم المستعمرين في هذا الموضوع قال في قصيدة رائعة:

شعب الجزائر مسلم من قال حاد عن أصله أو رام إدماجا له وإلى العروبة ينتسب رام المحال من الطلب أو قال مات فقد كذب

"إن المجال لا يتسع لتحليل شخصية عبد الحميد ابن باديس ومثاليته من جميع الجوانب، وحسبي أن أسجل هنا أن الرجل كان واسع الإطلاع على العلوم الإسلامية متضلعا خاصة في علوم القرآن وأسرار التشريع، وكان رائد إصلاح وتجديد في مجالات الأدب والاجتماع، إلى جانب المجال الديني الذي اشتهر فيه بمدرسة متميزة، وأصبح له فيها تلاميذ كثيرون من علماء الجيل في المغرب العربي. ويعتبر بحق في طليعة الرجال العظام الذين وضعوا قواعد النهضة الحديثة ثقافيا واجتماعيا وسياسيا في شمالنا الإفريقي، بله العالم العربي والإسلامي".

"ولا يمكن أن نذكر اليوم كفاح أبناء الشعب الجزائري دون أن نتذكر ما بدله ابن باديس من جهود جبارة في إعداد التربة الخصبة الصالحة لغرس بذور المبادئ الوطنية النامية في نفوس أبناء الجزائر، وإعداد جيل من الشباب الواعي، المؤمن بعظمة دينه ولغته وتاريخ، العامل لاسترجاع حرية وطنه واستقلال بلاده. مما مهد لتحقيق هذه المعجزة التي برزت على يد جبهة التحرير وجيشها الباسل، ذلك الجيش الذي يقف اليوم صامدا في وجه قوات عاتية لدولة تعد في عداد الدول الكبرى، دون أن يصاب بضعف أو وهن. وما تم هذا إلا بفضل التربية الحقة المستمدة من صميم العقيدة الإسلامية التي ظل ابن باديس يبنيها في الصدور، ويغرسها في النفوس والعقول ... ويربي ناشئة الوطن على الإيمان بها وممارستها. واسمعه ينادي هذا النشء في قصيدته المشار إليها آنفا، وكأنه قد تنبأ بما سيخوضه من غمرات النزال ضد مغتصبي وطنه فيقول:

يا نشء يا ذخر الجزا صدحت بلابلك الفصاح وأذقتنا طعما من الفصـ ئر في الشدائد والكرب فعم مجمعنا الطرب ـى ألذ من الضرب

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٤٢