مغامرة أقدم عليها هذا الرجل في بداية نضاله لانتشال أمته من الوهدة التي تردت فيها، وليس بيده من سلاح يصارع به طغيان المحتل الغاصب غير إرادة قوية، وعزيمة صادقة، وثقة بالله في انتصار الحق على الباطل.
كان الشعب الجزائري في ذلك العهد المظلم يعيش تحت وطأة سياسة استعمارية عنصرية، قد سدت في وجهه جميع المنافذ التي تنفذ إليها رائحة العدالة، أو يرى منها بصيصا من نور الحرية. فقد عمدت فرنسا من يوم احتلالها أرض الجزائر إلي تطبيق أساليب التفقير والتجهيل، لإبادة شخصية الشعب ومسخ قوميته حسا ومعنى، تمهيدا لإدماجه التام، على الطريقة التي تجعل من أبنائه قطعانا من العبيد المسخرين، لصالح السادة المحتلين، الذين يفرضون عليهم كل الواجبات، وليس لهم أدنى حق من الحقوق. حاربت الإسلام والعربية جهارا نهارا رغم أنها تدعي الملائكية، وجندت لبلوغ هدفها كل ما لديها من قوة مكر، وكيد وغدر، وسلطت ضروبا من البغي والقهر على أبناء الشعب بإسم القوانين الأهلية (لانديجينا)، تلك القوانين الجائرة التي كانت تحاسب الفرد الجزائري حتى على الهواجس والخلجات التي تختلج في صدره.
لكن كل هذه الدواهي لم تنل منالا من إرادة الرجل، ولم تثبط عزمه على خوض المعركة الرهيبة ضد الإستعمار وأعوانه. ورأى لأول وهلة أن صرح النهضة التي يزمع إقامة دعائمها، لا يمكن أن تكون متينة وراسخة إلا أذا أقيمت على أساس الدين واللغة، وإحيائهما والحياة بهما، لأن ذلك أضمن الوسائل وأنجعها لتحقيق الآمال التي ظلت تخامر نفسه في بعث الأمة وإيقاظها من غفلتها وإخراجها من الظلمات إلى النور.
نعم أن الاستعمار قد دأب فناء الشخصية المعنوية للأمة، ولكنه لا يملك أن يقاوم الطبيعة أو يغيرها مهما أوتي من قوة. تلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا. لهذا لم يكن في مقدوره أن يقضي نهائيا على بذور الحياة الكامنة في الإسلام ولغة الإسلام. ولا أن يعفي على عناصر المناعة والقوة الموجودة في طبيعة الدين الإسلامي ولغته، والشعب الجزائري شعب عربي مسلم بطبيعته. على هذا المبدأ بنى الرجل عمله، إذ أدرك من أول يوم أنه لا يمكن أن توجد أمة أو تشاد نهضة شعب على غير المقومات الطبيعية لهما من لغة ودين وتاريخ. فتصدى في دروسه ومحاضراته وكتاباته لتجلية ما أخفاه الجهل من محاسن الإسلام وآدابه وتعاليمه، ومحاولة البدع والخرافات التي نسبها الجهلة والمبطلون إليه.
أنشأ الكثير من مدارس التربية والتعليم لتثقيف الناشئة الجزائرية وتلقينها دروس الدين واللغة ومبادئ العلوم حسب أحدث المناهج العصرية وعمل بجد وتفان على غرس الروح القومية الصميمة في أبناء الشعب، وإعدادهم لحمل راية الكفاح. والذود عن حمى الوطن في يوم ما ... واستمر في طريقه يقطع المراحل الواحدة تلو الأخرى. رغم العراقيل والأشواك، مواصلا جهاده بمؤازرة فئة قليلة من رفاقه وأعضاده المخلصين، الذين ظلوا صامدين في الجهاد معه، واقفين إلى جانبه، لم تضعف لهم إرادة ولم توهن لهم عزيمة. فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.
وكان لكثرة إقبال الأمة عليه، وتحميسها لمشاريعه ما يوازى جهوده المبذولة في خدمتها ورفع مستواها وإحلالها المكانة الائقة بها، إذ أصبحت تشعر شعورا عميقا جماعيا بضرورة التحرر من القيود والأغلال التي يكيلها بها الإستعمار، والسير السريع في طريق التقدم والتطور في دائرة التمسك بدينها ولفتها -بحكم الجهل- من الخرافات والأوهام والأباطيل التي لا تمت إلى الدين الصحيح بصلة، وليس لها من الحق نصيب
وبالإضافة إلى جهاد ابن باديس في ميدان العلم والتعليم والتربية، كأداة فعالة لحفظ شخصية الأمة وإثبات وجودها، وتأكيد اعتبارها كأمة عربية مسلمة،