المنخرين في علة الزكام وإنضاج مادته، وما أقوى معاونة السجود على هضم الطعام من المعدة والأمعاء، وتحريك الفضول المتخلفة فيها وإخراجها، إذ عنده تنحصر الآلات بازدحامها ويتساقط بعضها على بعض وكثيرا ما تشد الصلاة النفس، وتمحق الهم والحزن، وتذيب الآمال الخائبة وتكشف عن الأوهام الكاذبة، ويصفو فيها الذهن وتطفئ نار الغضب (15).
وبانتهاء كلام الإمام السندي نكون قد استعرضنا طائفة من أنظار فلاسفة الإسلام في سر مشروعية هذه الركيزة الأولى في الإسلام، وإذا كانت هذه الأنظار إنما تتناول مطلق الصلاة فلنقف عليها بذكر أسرار إيقاع الصلاة جماعة، التي نتناولها بالشرح فيما يلي:
1) إن في طليعة ما راعاه الشارع في الحث على الصلاة جماعة: الرغبة في اجتماع أهل البلدة أو الحي الواحد خمس مرات في اليوم على عدد الصلوات الخمس، لتتربى فيهم روح الاتحاد والمودة والتعاون، فلا يجدون محتاجا إلا أعانوه ولا مضطرا إلا قدموا له يد المساعدة ولا غائبا إلا بحثوا عن أسباب غيبته فان كان مريضا عادوه أو مشرفا على خطر أنقذوه أو متقاعد الكسل عاتبوه، هذا في صلاة الجماعة اليومية، اما الجمعة فقد فرضت ليجتمع في هذه الصلاة الأسبوعية الذين لا تمكنهم أعمالهم من حضور صلاة الجماعة اليومية، وشرعت صلاتا العيدين الفطر والأضحى ليجتمع المسلمون في كل مكان واحد بمناسبة العيدين فيتبادلون تحيات الود والايخاء.
2) ومن أسرار الصلاة جماعة إشعار المصلى بروح المساواة التي هي اكبر أسس الإسلام، فيقف الغني بجانب الفقير، والشريف مع المشرف، والمخدوم قريبا من الخادم، والكل في موقف واحد بين يدي الله سبحانه لا فضل لأحد على احد.
3) وثالثا إن إتباع المصلين لإمامهم في جميع أعمال الصلاة وتعويد النفوس الطاعة والانقياد للرؤساء وقد فطن لهذا السر (رستم) قائد جيش الفرس، حين رأى الصحافة يصلون خلف إمامهم ويتحركون لحركته ويسكنون لسكونه (16).
وهذا ولتكن خاتمة حديث أسرار الصلاة ذكر المكانة المرموقة التي تحتلها هذه الشعيرة في نفوس بعض علماء أوروبا، جاء في مجلة المنار (17). ما يلي:
(وقد نقل إلينا بعض علماء الإفرنج المستقلين الإعجاب بهذه الصلاة حتى خصوم الإسلام منهم، فقد قال الفيلسوف (رينان) الفرنسي، أنني ما رأيت المسلمين في مسجد يصلون جماعة إلا وتمنيت لو كنت مسلما أو قال احتقرت نفسي لأنني غير مسلم، ولما طعن في الإسلام في خطاب له في السربون ذكره الفيلسوف المنصف (غوستاف لوبون) بقوله هذا فاعترف.
وقد افتتح (الكونت هنوي دي كاستري) كتابه (الإسلام خواطر وسوائح) بمقدمة ذكر فيها ما رآه في سياحته في الشرق من صلاة المسلمين صلاة الجماعة، ووصف من إعجابه بها وتأثيرها في نفسه انه احتقر نفسه اتجاه جماعة من الفرسان المسلمين رآهم يصلون جماعة.
الصوم
فرض الصوم لتطهير النفوس وتزكيتها، وليحس الصائم بآلام الجوع والعطش فيتذكر الجائعين من الفقراء والمساكين، ويتعطف عليهم، ويواسيهم، وقد شرح القرآن الكريم والحديث الشريف هذه الحكم: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وفي حديث البخاري (الصوم جنة) أي وقاية من عذاب الدنيا بالأمراض والمعاصي ومن عذاب الآخرة؛ وفي صحيح البخاري أيضا (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل عليه السلام وكان يلقاه في رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة).
ولما في الصوم من معنى الإحسان اوجب الشارع زكاة الفطر عقب انتهاء رمضان تنبيها على هذا المقصد الأسمى من مقاصد الصوم.
هذا والى جانب حكم الصوم الآنفة الذكر نجده ينطوي على فوائد صحية عديدة أصبحت موضوع عناية أطباء الغرب في هذا القرن العشرين الى حد أن احد دكاترتهم خص هذا الموضوع بكتاب على حدة عنوانه (التداوي بالصيام وأصول الاستعانة به) وقد طبع في ألمانيا عام 1354 = 1936 في 194 صفحة (18).
15 - "الرياضة في الإسلام" ص 47 - 51
16 - محمد المثل الكامل، 156 - 157 وغيره
17 - مجلد 29 ج 6.
18 - مجلة هدي الإسلام، السنة الثانية العدد 61