تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س2، ع8 /ماي 1959 .................... ص 28

مقاصد التشريع الإسلامي

الأستاذ. محمد المنوني

من المعلوم أن التشريعات الإسلامية التي يزاولها المسلمون في أعمالهم اليومية، الدينية والدنيوية، في عبادتهم وفي معاملتهم، كلها تهدف الى غايات حميدة، ومقاصد معقولة، وتنبني على حكم سامية، وترمي الى مصالح عائدة على العاملين بها بالنفع الكثير، والخير العميم دينا ودنيا، معاشا ومعادا، وأن القرآن الكريم والحديث الشريف ليزخران بالكثير الطيب من الأمثلة لمقاصد التشريع كقوله تعالى بعد آية الوضوء: (ما يريد ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطريكم وليتم نعمته عليكم) وقال في الصيام: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وفي الصلاة: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) وقال في القبلة: (فولوا وجوهكم شطره ليلا يكون للناس عليكم حجة) وفي الجهاد: (إذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) وفي القصاص: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) وفي التقرير على التوحيد: (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) (1)

وقد وضح معقولية هذه الشريعة الإسلامية الإمام الجليل ابن القيم في كلام نفيس لا يستغنى عنه بحث كهذا، قال في كتابه إعلام الموقعين (2) أثناء كلام:

(فان الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل الى الجور، وعن الرحمة الى ضدها، وعن المصلحة الى المفسدة، وعن الحكمة الى العبث، فليست من الشريعة وان دخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم، الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل، فهي قرة العيون وحياة القلوب، ولذة الأرواح، فهي الحياة والغذاء والدواء والنور، والشفاء، والعصمة، وكل خير في الوجود، إنما هو مستفاد منها وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطي

العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله سبحانه خراب الدنيا وطي العالم رفع إليه ما بقي من رسومها، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة).

هذا كلام ابن القيم الجوزية، وهو كاف في بابه، شاف في موضوعه، فلننقل الحديث بعده الى سرد طائفة من القضايا التي قال فيها الإسلام كلمته، حكم حكمه قبل نحو أربعة عشر قرنا، هذه القضايا التي كانت تعاليل كثيرة منها غير معروفة، مما أدى إلى الطعن فيها والطعن في الإسلام من جرائها، حتى جاء الطب الحديث باكتشافات تؤيد وجهة نظر الإسلام على طول الخط، وتصوب حكمه، وتدحض شبه الطاعنين، وتنسف مزاعم الضالين، فكان هذا مصداقا لقوله تعالى: (سنريهم ءاياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق).

وأول هذه القضايا حديث الذباب الذي أخرجه البخاري وأبو داوود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم -وفي لفظ في طعام أحدكم- فليغمسه كله ثم ليطرحه فان في احد جناحيه داء وفي الآخر شفاء .. ) هذا الحديث تعرض غير ما مرة للطعن عليه حتى ارتاب في صحته بعض المتأخرين الذي ظن انه مخالف للنواميس الطيبة، ومعارض للقواعد الصحية، ثم تبين أخيرا خطأ الطاعنين وظلال المعترضين، بما أثبتته تجارب الطب الحديث، فقد قررت أن هذه الحشرة -المعروف عنها أنها تأكل الجراثيم المولدة للأمراض-

1 - الموافق ج2 ص 7

2 - " ج3 ص 3

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣١١