تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قال عن هذه الخطبة الناصري في استقصائه "تكلم فيها على حال متفقرة الوقت وحذر فيها رضي الله عنه من الخروج عن السنة والتغالي في البدعة وبين فيها بعض آداب زيارة الأولياء وحذر من تغالي العوام في ذلك وأغلظ فيها مبالغة في النصح للمسلمين جزاه الله خيرا".

ومن فصول هذه الخطبة قوله "اتركوا عنكم البدع التي يزينها أهل الأهواء ويلبسون وافترقوا اوزاعا وانتزعوا الأديان والأموال انتزاعا فيما هو حرام كتابا وسنة وإجماعا وتمسوا فقروا وأحدثوا في دين الله ما استوجبوا به سقرا، " قل هل أنبئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا" وكل ذلك بدعة شنيعة وفعلة فظيعة وسبة وضيعة وسنة مخالفة لإحكام الشريعة وتلبيس وظلال وتدليس شيطاني وخيال زينه الشيطان لأوليائه فوقتوا له اوقاتا وأنفقوا في سبيل الطاغوت في ذلك دراهم واقواتا وتصدى له أهل البدع من عيساوة وجلالة وغيرهم من ذوي البدع والضلالة والحماقة والجهالة، وصاروا يترقبون للهوهم الساعات وتتزاحم على حبال الشياطين وعصيه منه الجماعات، وكل ذلك حرام ممنوع والإنفاق فيه إنفاق في غير مشروع.

"وفي نفس هذا الوقت قام احد علماء اليمن محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة 1250 (1832) بدعوة إصلاحية من هذا القبيل وألف في ذلك رسالة الدر النضيدة في إخلاص كلمة التوحيد وهي على اختصارها من أهم المراجع لمحاربة البدع والضلالة وهو يرد بالحجج الساطعة من الكتاب والسنة على من يسميهم القبوريين ويجادلهم بالبراهين الدامغة من ذلك قوله وهي يخاطب من يدافع عن الجامديين: (فان قلت) أن هؤلاء القبوريين يعتقدون أن الله تعالى هو الضار النافع والخير والشر بيده وان استغاثوا بالأموات قصدوا انجاز ما يطلبونه من الله سبحانه (قلت): وهكذا كانت الجاهلية فأنهم كانوا يعلمون أن الله هو الضار النافع وان الخير والشر بيده وإنما عبدوا أصنامهم لتقربهم إلى الله زلفى كما حكاه الله عنهم في كتابه العزيز ثم قال: "أين من يعقل معنى: أن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فلا تدعوا مع الله أحدا، له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء وقد اخبرنا سبحانه أن الدعاء في محكم كتابه بقوله تعالى: ادعوني استجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين. وقال: "وكذلك النحر للأموات عبادة لهم والندر لهم بجزء من المال عبادة لهم والتعظيم عبادة لهم". من مسائل الدين يقول عالم من علماء المسلمين ولا تقبل قول غيره ولا ترضى به .. فانظر كيف خصوا بعض علماء المسلمين واقتدوا بهم في مسائل الدين ورفضوا الباقين". وبالاختصار فان رسالة الدر النضيد من أمتع ما كتب في موضوع محاربة البدع وقد كان لها اثر على كل من تصدوا للإصلاح في السنين الثلاثين الأخيرة.

وظهر علماء آخرون يدعون للإصلاح في مختلف البلاد الإسلامية ولكن هذه المحاولات كلها لم تستطع أن تفرض نفسها وان تكسب المؤمنين بها المناضلين عنها في كل البلاد من يقضون على البدعة فعلا ويصلحون أحوال المسلمين ويسيرون بهم إلى الإمام.

وبقيت الحال هكذا بين مد وجزر والاستعمار يمد أطنابه في البلاد الإسلامية وقد جعل من المبادئ التي يعتمد عليها مساندة الجامدين الذين يستغلون بساطة الشعب حتى يبقى في سباته ولا يحاول النهوض للمطالبة بحقوقه ولا يحس بنقص فيسعى لتكميله وإذا رفع احد صوته بالتنديد بما عليه الإسلام تصدى له إجراء الاستعمار من مشايخ الضلال وقاوموه وأغروا به المستعمر فيضطهد ويقضى على حركته، فزاد الأمر تفاحشا وتجددت دولة البدعة والجهالة وضاق المسلمون درعا بهذه الحالة فبدأ التذمر في كل البلاد الإسلامية وتبلور كل ذلك في شخصية المصلح الكبير جمال الدين الأفغاني هذه الشخصية الفذة التي قبضها الله للإسلام لبعث روح النهضة والتي يرجع إليها الفضل في تعميم الدعوة إلى الإصلاح ونجاحها في نفوس القادة من رجال العم والسياسة في كافة الأقطار الإسلامية، وان الدعوة الصلاحية التي تزعمها السيد جمال الدين الأفغاني لم تنحصر في ناحية محاربة البدع وان كان أعظم تلامذته الشيخ محمد عبده ركزها في هذه الناحية لما تحققه من أن أصل كل المصائب التي اعترت كيان الدولة الإسلامية وشعوبها إنما أصلها تشويه الدين الإسلامي مما أدى إلى الانهيار ولا يمكن انتشال المسلمين من هذه الحالة إلا باطلاعهم على صفاء العقيدة وتعليمهم مبادئها السامية وكل هذا لا يتأتى إلا بالقضاء على شعوذة المشعوذين وضلالات مشاييخ الطرق الذين حادوا عن الروح الصوفية الحقة التي لم تتلبس بهذه الخرافات والضلالات.

وأيا ما كان الأمر فان دعوة السيد جمال الدين الأفغاني هي المرحلة الأخيرة التي وصلت إليها حركة الإصلاح الذي بدأه الإمام ابن تيمية، ولا نستطيع أن نلم في هذا الحديث بحياة السيد جمال الدين لأنها مليئة بالأحداث والتطورات والانتقالات بين آسيا وأوروبا وإفريقيا بل وحتى أمريكا فقد كان حركة لا تنقطع ونشاطا لا يعرف الوهن وقد لاقى كذلك في سبيل دعوته ما يلاقيه كل المصلحين من اضطهاد وسجن ونفي إلى أن توفي رحمه الله

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٠٠