تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبقيت هذه النظريات الإصلاحية خامدة تنطوي عليها دفات الكتب ومن حين لآخر يقوم احد العلماء في بلد من بلاد الإسلام بالدعوة لإحياء السنة ومحاربة البدعة من ذلك ما تزعمه احد ملوك الأسرة العلوية وهو سيدي محمد بن عبد الله الذي كان من العلماء السلفيين حتى انه كان يوقع تأليفه هكذا: "محمد بن عبد الله المالكي مذهبا الحنبلي اعتقادا"، وقال في شرح هذا بعد كلام: "فطريق الحنابلة في الاعتقاد سهلة المرام منزهة عن التخيلات والأوهام موافقة لاعتقاد الأئمة كما سبق مع السلف الصالح من الأنام" وقد وضع رسالة وجهها للعمال ضمنها نصائح ثمينة وقد بدأها بالتشبيه إلى ما شاع بين العامة "من عموم الجهل بالتوحيد وأصول الشريعة وفروعها حتى ارتكبوا أمورا تقارب الكفر أو هي الكفر بعينه". كما قال ولكن نداءه لم يكن له اثر، ثم أن كل من يحاول من العلماء الرجوع بالإسلام إلى صفائه الأول تقوم عليه قيامة الجامدين والقبوريين. فلا يكون لندائه اثر ويبقى التقهقر والانحطاط مستمرين إلى أن اكتسحت دول الغرب البلاد الإسلامية واستولت عليها باسم نشر المدنية بها واثبات النظم العصرية التي تساعد على الترقي في مستوى الأمة إلى غير ذلك من تلك الأقاويل التي كان يتبجح بها دعاة التوسع الأوروبي والاستيلاء على قارتي آسيا وإفريقيا.

وقد اشرنا من قبل إلى الانتفاضة التي حصلت في بلاد نجد على يد المصلح محمد بن عبد الوهاب في أواسط القرن الثاني عشر، ولكن هذه الثورة الفكرية التي صاحبها تأسيس دولة مستقلة وسط الجزيرة لم يكن تأثيرها من الناحية العملية عاما وإنما اقتصر على الناحية التي ظهر فيها ابن عبد الوهاب اما من الناحية الفكرية فقد كان لها صدى عميق في نفوس كثير من العلماء في مختلف البلاد الإسلامية ويمكن أن تعتبر الأصل الثاني للحركة السلفية الحديثة التي كتب لها النصر والتي يرجع إليها الفضل في تصفية العقيدة الإسلامية وبالتالي في محاربة الجامدين الذين كان يعول عليهم الاستعمار في تثبيت إقدامه بالبلاد التي منيت به.

لذلك يجب أن نقول كلمة عن الوهابية وقد ألف فيها الغربيون مآت التآليف وكانت الشغل الشاغل للساسة الاستعماريين في كل البلاد الغربية وبالخصوص عند الفرنسيين والانكليز والهولانديين.

ولد محمد بن عبد الوهاب في وسط نجد بمدينة العينية سنة 1115 (1703) في عائلة علماء وفقهاء حنابلة وكان جده مفتي الديار النجدية ووالده قاضي العينية وبدأ دراسته ببلده ثم قصد مكة والمدينة للتوسع في دراسة العلوم الإسلامية وملاقاة علماء الأقطار الإسلامية الذين يردون على الحجاز، لأداء فريضة الحج، وقد كان لشيخه محمد حياة السندي أثر على توجيهه وقد كان من قبل لأحد شيوخه النجديين الحنابلة ممن يرون ضرورة فتح باب الاجتهاد تأثير كذلك من هذا القبيل على تكوينه، وبعد ما أتم دراسته رجع لنجد واخذ ينشر العلم ويدعو إلى الإصلاح ولكنه وجد معارضة حتى من ذويه ووالده وأخيه وقد كان يقيم إذ ذاك مع عائلته بالحريملة فلما توفي والده رجع إلى بلده العينية ولكن نفس المعارضة منعته من متابعة دعوته لان الشيوخ الجامدين تألبوا عليه فاضطر للخروج من بلده وقصد إحدى الإمارات الصغيرة البدوية ومركزها درعية في قبيلة عنزة وكان أميرها إذ ذاك محمد بن سعود فاقتله أولا ببرود ولكن تحت تأثير اثنين من إخوته استمع لما يدعوا إليه واقتنع به خصوصا بعد أن كان أخواه بشرا بهذا الإصلاح السيدة حرم الأمير، فتم بذلك لمحمد بن عبد الوهاب ما أراد وتعاهد مع الأمير على نصرة الإسلام الصحيح والاستماتة في سبيل مبادئها، وهكذا بدأت من جهة الملحمة الوهابية الكبرى التي توجت النهاية باستيلاء السعوديين على كل الأقطار النجدية والحجازية وتأسيس مملكتهم ومن جهة أخرى الحركة الفكرية الجبارة التي عمت كل البلاد الإسلامية وتزعمت محاربة البدع والرجوع بالإسلام إلى صفائه الأول، كل ذلك لتحرير البلاد الإسلامية من الاستعمار وإحياء مجد الإسلام، وقد ألف محمد بن عبد الوهاب عدة كتب كان لها أثر كبير في أوائل هذا القرن واعتمد عليها المصلحون.

وقد نبهت كذلك هذه الحركة إلى كتب ابن تيمية ومدرسته فوقع عليها الإقبال وأخذت فكرة الإصلاح تختمر وتكسب لها المؤيدين والمناصرين وقدر لمحمد بن عبد الوهاب أن لا يفارق الدنيا حتى يرى مبادئه تعم تقريبا الجزيرة العربية بما فتحه من أقطارها محمد بن سعود وابنه عبد العزيز من بعده، وقد توفي محمد بن عبد الوهاب سنة 1206 (1792) ومن آثار دعوته أن وقع لها صدى بالمغرب في وقت كانت الأفكار الجامدة تسود كان التقليد ضاربا إطنابه والطرق لها صولة وأما العامة فقد كانت في بحر مظلم من الجهل والاعتقادات الفاسدة لان الحركة التي قام بها السلطان سيدي محمد بن عبد الله لم يبق لها أثر كما قدمنا، وكان سلطان المغرب المولى سليمان من العلماء المتضلعين في العلوم الإسلامية وكان سنيا مصلحا رأى ما عليه أمته من إتباع الضالين المضلين من رجال الطرق المشعوذين وما نتج عن ذلك من ابتعاد عن روح الدين الحنيف فقام يدعو إلى الإصلاح وان خطبته الشهيرة التي وجهها لكل نواحي المغرب لتلقى أيام الجمع بكل المساجد من النصوص الأساسية للحركة السلفية بالمغرب وهي مطبوعة وان لم يترتب عنها في حينها الأثر الذي توخاها وبقيت مثل ما أشرنا إليه سابقا نسيا منسيا وكتابا مطويا فائها كذلك من العوامل المهمة التي اذكت روح الإصلاح في من قبضهم الله للقيام بهذه الحركة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٩٩