لقد لفتت نظرنا في دمشق سيارة كبيرة من سيارات المدارس تحمل اسم (جميلة بوحيرد) فذكر لنا مرافقنا أن هذه سيارة مدرسة من المدارس الفرنسية المؤممة. كانت تسمى مدرسة (جان دارك) فقاطعها التلاميذ حتى غيرت اسمها وأصبحت مدرسة جميلة بوحيرد.
إن مشكلة تعريب التعليم وتعريب الإدارة من مشاكلنا الوطنية الكبرى المستعجلة، وأني اقترح أن تؤلف لجنة وطنية تضع برنامجا رسميا سريعا مدروسا دراسة دقيقة لتعريب الإدارة ولتعريب التعليم في مراحل محدودة، ولإزالة مظاهر الاستعمار الروحي من حياتنا العامة في أسماء الشوارع وفي أيام العطل الرسمية في الإدارات والمدارس وغير ذلك من نواحي الحياة.
*
وإذا كان مقال الأستاذ ادريس الكتاني نموذجا لمعالجة المشاكل القومية، فإن بحث الأستاذ محمد الفاسي عن ابن عبد الملك المراكشي نموذج لإحياء تراثنا الفكري والتعريف بعلمائنا وأدبائنا وإظهار الشخصية المغربية داخل نطاق التراث الفكري العربي الإسلامي، وهي ناحية من أهم النواحي التي تتوقف عليها نهضتنا الفكرية الحديثة. وكثيرا ما نعيب على الشرقيين جهلهم ببلادنا وبتراثنا الفكري والأدبي، وبما كان لنا من نصيب في خدمة الثقافة العربية المشتركة، غير أنه يجب ألا ننسى أن نصيبا كبيرا من اللوم في ذلك يقع علينا لتقصيرنا في التعريف ببلادنا وبتراثنا. وأن بحث سيدي العابد الفاسي، وأبحاث الأساتذة سيدي عبد الله كنون وسيدي محمد الفاسي، والسيد عبد العزيز بن عبد الله، من خير النماذج في هذا الباب.
ومقال الدكتور صلاح المنجد «البلاد المباركة» يبين الأثر الذي تتركه بلادنا في نفس زوارنا من إخواننا العرب، إنهم يكتشفون عالما مجهولا يفتنهم بجمال طبيعته وبمحافظته على حضارة عريقة لها طابعها الخاص في فن البناء والعمارة وفي فن الموسيقى وفي الصناعات الشعبية، وفي ألوان الطهي ومظاهر الحضارة المنزلية، وفيما يحتفظ به من التراث العلمي والمخطوطات النادرة. وكل هذه نواحي من واجبنا أن نعنى بدرسها وأحيائها والتعريف بها لأنها تكون جزءا من شخصيتنا القومية. ولأننا نستطيع أن نبعث فيها الحياة من جديد، فنطبع مدننا ضمن شروط الحياة العصرية بطابع الفن المغربي في البناء، ونولد من الموسيقى الأندلسية موسيقى مغربية جديدة تكون لنا شخصيتنا في ميدان الموسيقى العالمية، ونجعل من فننا الشعبي بعد صقله وتهذيبه عنصرا من عناصر ثقافتنا ودعاية واسعة لبلادنا في الخارج.
وقد لاحظ الأستاذ (المنجد) شبها بين الموسيقى الأندلسية وبين الموسيقى الكنسية وظن أن ذلك من تأثير نصارى الأندلس، ولكن من الباحثين من يجعل الموسيقى الكنسية هي التي تأثرت بالموسيقى الأندلسية وهذا موضوع جدير بعناية الباحثين والمؤرخين.
*
أما البحث القيم الذي ألقاه (الدكتور شكري فيصل) في مؤتمر أدباء العرب بالكويت عن البطولة في الأدب العربي منذ سقوط بغداد حتى فجر النهضة الحديثة، فهو بحث استحق بكل جدارة إعجاب المؤتمرين وثناءهم، لما امتاز به من الدقة والأصالة وبراعة العرض وجمال الأسلوب.
*
وأما مقال الأستاذ المهدي البرجالي «الأوضاع الإسلامية في إفريقية» فهو بحث قيم ومن واجبنا اليوم أن نهتم بالقارة الإفريقية التي تتأهب للتحرر الكامل، وأن المغرب الجديد ليستطيع أن يقوم في الحاضر بدور هام في ميدان التعاون مع شقيقاته من الدول الإفريقية كما فعل في الماضي في نشر الإسلام والثقافة العربية والتعاون في ميادين السياسة والاقتصاد، ولذلك كانت الموضوعات الإفريقية من موضوعات الساعة وكان بحث الأستاذ البرجالي من الأبحاث النافعة في هذا الموضوع.
غير اني كنت أفضل أن يتجنب الأستاذ بعض الألفاظ التي تبدو غريبة على الذوق العربي مثل «العقائدية» في قوله: (الاتجاه الذي تتخذه العقائدية الدينية) وكان يكفي أن يقول العقيدة الدينية. ومثل ذلك «الطقوسية» في قوله: (لما يسود التفكير الوثني الإفريقي من روح الطقوسية الدينية) وكان يكفي أن يقول الطقوس. ومثل ذلك ترجمته لكلمة Sectarisme بالتحزبية، ولعل «الطرقية» أقرب ومثل «الانتشارية التلقائية» في الانتشار التلقائي. ومثل الحؤول في الحيلولة. كما أنني لا أستسيع كلمة المعطيات ترجمة لكلمة Domees الفرنسية التي كثر استعمالها في الأيام الأخيرة: (وان دراسة تفصيلية للمعطيات النظرية) والتي نستطيع أن نستعمل بديلها في هذا المقام (المبادئ النظرية) أو (الأسس النظرية).
*
وننتقل إلى بحث الصديق عبد السلام الهراس (المقياس الديني والخلقي في النقد عند العرب) ولا يسعني إلا أن اكبر المجهود الذي بذله الباحث في جمع مادة موضوعه المبعثرة في شتى المراجع، وإذا كان الأستاذ الهراس يريد أن يقرر أن كتب