المسيطرة أجنبية، ولغتنا الإدارية أجنبية، وعطلنا الرسمية والمدرسية أجنبية، وأسماء شوارعنا الأجنبية. تعليمنا حائر مضطرب يعاني كثيرا من الفوضى والارتجال.
صلاتنا بالعالم العربي وبالحركة الفكرية في العالم العربي محاطة بكثير من التحفظ والارتياب بينما عقولنا وإداراتنا ومرافقنا مفتوحة على مصراعيها أمام الغزو الأجنبي بدون حيطة ولا حذر.
علماء الدين ورجال الثقافة الإسلامية في عزلتهم وانكماشهم على أنفسهم يتألمون ويشتكون، ولكنهم لا يدرون ما يفعلون، تعوزهم أساليب الجهود وحماس الإيمان لأداء رسالتهم في توجيه الأمة وتثقيفها وتعريفها بالقيم الإسلامية وبتراثها الروحي والفكري حتى تسترد إيمانها بنفسها وبثقافتها وبشخصيتها.
الحماس الوطني -الذي بهر العالم وحرر المغرب من الاستعمار وصان العرش وبعث الرعب والهيبة في نفوس الأعداء - في فتور مستمر، لأن المهاترات السياسية والمنافسات الشخصية شغلتنا عن إذكاء ذلك الحماس الرائع والمثالية النبيلة الذين كنا نكافح بهما الاستعمار وعن توجيههما في طريق البناء والإنشاء، فخبت الشعلة وتسرب اليأس والفتور وعدم المبالاة إلى النفوس.
بلادنا غنية ونحن فقراء، تقتلنا البطالة والحاجة والجوع والمرض.
هذا نموذج من مشاكلنا التي ينبغي أن يواجهها رجال العلم والفكر فينا، وأن يعالجوها بالدرس والبحث عن الحلول، وذلك ما تدعو المجلة المثقفين إلى القيام به وما تعرض عليهم صفحاتها لنشره والصدع به.
وقد أعطتنا خير مثال في نفس العدد السادس لمعالجة هذه المشاكل بالمقال القيم الذي كتبه الأستاذ ادريس الكتاني تحت عنوان «لغتنا المحتلة هل سنحررها».
وقد تعرض الأستاذ الكتاني في هذا المقال لموضوع نستغرب لكوننا لا نزال في حاجة إلى طرقه بعد ثلاث سنوات من الاستقلال، وهو موضوع الأسماء الأجنبية للشوارع المغربية. لقد ماتت كرامتنا وشعورنا القومي بحكم الألف والعادة حتى لم نعد نشمئز من هذه الأسماء الاستعمارية التي تسمى بها شوارعنا.
في تطوان مثلا شارع الجنرال (ألفاو) وهو المقيم العام الإسباني الأول، وشارع (الكردينال سيسنيروس) وهو الذي نكل بالمسلمين في الأندلس والحق بهم أنواع المهانة والأذى، وشارع (باديا العباسي) و (الموروبيسكايينو)، وهما جاسوسان عاشا في المغرب قبل الحماية للتجسس على عورات البلاد وتقديم المعلومات اللازمة لتسهيل فتحها واحتلالها، إلى أمثال ذلك من هذه الأسماء التي يعتبر من قلة الذوق أن تطلق على شوارع مغربية حتى في أيام الحماية، فكيف نقرها ونقبلها ونعتبرها شيئا عاديا بعد الاستقلال.
إننا لا نعادي الأسماء الأجنبية من باب التعصب والانكماش على أنفسنا، فنحن نرحب بأسماء العلماء ورجال الفن الذين خدموا الإنسانية من أي جنس كانوا ونقبل اسم (باستور) و (فلمنج) و (منويل فايا) و (اليونيسكو) وشارع (الأمم المتحدة)، كما نقبل أن تسمى بعض شوارعنا بأسماء غرناطة وقرطبة وإشبيلية، ولكن الشيء الذي لا يقبله ذوق ولا ترضاه كرامة أن تطلق على شوارعنا أسماء الذين حاربونا وأذلونا واعتدوا على بلادنا وحاربوا وطننا ومقدساتنا كما لا نقبل أن نهمل أسماء ملوكنا وأبطالنا وعلمائنا وأدبائنا لتحل محلها أسماء أجنبية غريبة.
وتعرض الأستاذ الكتاني لموضوع التعريب في الإدارة والتعليم. والمؤلم أن تعريب الإدارة أيام الحماية كان أحسن مما هو عليه أيام الاستقلال، لقد كان في إمكان أرباب المصالح من المغاربة أن يوجهوا بعض أوراقهم إلى الإدارات بالعربية لأنه كان في تلك الإدارات تراجمة يحولونها إلى الفرنسية والإسبانية، فلما أعلن الاستقلال الغي التراجمة وأصبحت الإدارات المغربية ترد إلى المواطنين في بعض الأحيان بعض أوراقهم الرسمية المكتوبة بالعربية وتفرض عليهم أن يوجهوها بالفرنسية.
لقد أخبرني أحد أساتذة التعليم الثانوي أن الطلبة أيام الحماية كانوا أشد إقبالا على تعلم اللغة العربية بدافع الروح الوطنية أولا، ولإيمانهم بان المستقبل للغة العربية، فلما جاء الاستقلال ورأى التلاميذ أن العربية لم تزدد إلى غربة وانعزالا قل اهتمامهم بها وإقبالهم على دروسها.
إن هذه المظاهرة تجرح الشعور الوطني وتجعل الشعب حائرا لا يفهم كيف يتفق هذا مع الاستقلال، وتوقفنا موقفا مخجلا أمام إخواننا في البلاد العربية.
إنك لا تجد في البلاد العربية إلا أسماء أبطال العرب وعباقرتهم وذكريات أمجادهم تطلق على الشوارع والفنادق والمطاعم والمسارح.