تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحمت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذن وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على ارجائها).

(القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة).

(يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا)

(يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات)

(يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب).

(يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا)

(إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا). (وفتحت السماء فكانت أبواب وسيرت الجبال فكانت سرابا). (يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن). (فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان).

ولو أمعنت النظر وأنعمته في وصف يوم القيامة والجنة والنار، والاستدلال على المعاد الأخروي بآيات الله في الأنفس والآفاق المسوق ذلك في سورة التنزيل، بالإسهاب تارة والوحي والإيجاز أخرى، لرأيت من أنواع التفنن في البلاغة وغرائبه ما يدهشك ثم يخرسك.

فاقرأ سور المراسلات، والنبأ، والنازعات، وعبسن والتكوير، والانفطار، والمطففين، والانشقاق، والغاشية، والفجر، والبينة، والزلزلة والقارعة، وغيرها، يتحقق لك ذلك عن عيان.

إعجازه ببلاغته:

الإيجاز في السور المكية: إن أول وحي تلقاه النبي (ص) كان بغار حراء، وأن قريشا أول من خوطب بهذا الكتاب المعجز، وكانوا أصفى العرب قريحة، وأنبلهم عقلا وأحصفهم رأيا، كما ان لهجتهم أرقى لهجات القبائل العربية وأعذبها منطقا وأخفها ولبة على اللسان، وسبب ذلك كثرة اختلاطهم بغيرهم من قبائل العرب وما كان لهم في سوق عكاظ من زعامة النقد الشعري، والكلمة الفاصلة، كما كانت بلدهم الأمين محط رحال القوافل الضاربة في الأرض للتجارة في أنحاء آسيا، وكانت لهم الرحلة التجارية إلى الشام واليمن، فأكسبهم جميع ذلك انتباها لتهذيب لغتهم وصقل ألفاظها، كما ربى فيهم حنكة في الرأي ودهاء في العقل، ومتانة في التعبير واندلاقا في البيان.

لما كانوا بتلك الذروة السامية، وكانوا أول مطرح لأشعة أنوار القرآن، خوطبوا بأسلوب الإيجاز والإشارة والوحي، مراعاة لحق المقام، وأخذا بمقتضى الحال؛ وأنا لنرى جليا في السور المكية، كما نرى فيها تلميحات وإحالات على شؤون كانت معروفة لديهم ذكروا بها وأعيدت إلى أذهانهم ليشكروا نعمة الله عليهم فيها، كما نرى ذلك في سورة الفيل التي ذكروا فيها بنعمة الله عليهم بإهلاك عدوهم الذي هم بغزو الكعبة وتحطيمها وهي مجدهم وشرفهم المتأثل، وكما نرى ذلك في السورة المضافة إليهم- سورة قريش- التي ذكروا فيها بنعمة الله عليهم بإدرار الأرزاق بالاتجار إلى اليمن والشام آمنين ويتخطف الناس من حولهم، محترمين لكونهم جيران بيت الله.

وأن معاني هذه السور المكية متجهة إلى تقرير أساس الدعوة وأصول الدين، وغرس مكارم الأخلاق في النفوس، والحث على إكرام اليتيم وإطعام المسكين، وإلا يعاد على جمع المال من غير اكثراث لحقوق الله فيه، وتقرير هول يوم القيامة والتخويف من عذاب الله، كما نرى ذلك في سورة القارعة والتكاثر وسورة البلد: (فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين امنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة)، وسورة العصر، وسورة الماعون، وسورة الفجر: (بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما كلا)، وسورة الهمزة، وسورة العاديات: (إن الإنسان لربه لكنود وأنه على ذلك لشهيد وأنه لحب الخير لشديد).

وتظهر لي نكتة أخرى للإيجاز في هذا المقام يقضي بها الذوق، وهي أن الإيجاز والرمز في الأمور الغيبية ادخل في الروعة وأمكن في الإرهاب. وأخرى وهي أن الاعتقادات والأمور الغيبية لا يساق فيها التعبير لبيان كنهها وتصوير حقيقتها، وإنما تقرب إلى الأذهان تقريبا، بدليل سوق القول فيها مساق الإجمال، ففي آية التنزيه: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، وقال تعالى في نعيم أهل الجنة: (وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين)، وبدليل إفراغها في كثير من المواطن في قالب التمثيل والتشبيه كقوله جل علاه: (وأن يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون)، وقوله جل علاه في تصوير البعث (يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر)، وقوله جل وعلاه في تصوير قيام الساعة: (فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان)، (يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن)، وهذا والله أعلم من أسرار قصر السور المكية لإظهار العناية بما فيها، وللإيماء إلى استقلال كل واحدة بما فيها من نصح وتهذيب وترغيب وتهريب.

ثم ان هذا القول في خطاب أهل مكة إنما هو أغلبي، وإلا يخاطبون بالأطناب لموجبه كتأكيد الإنذار في قوله جل علاه: (كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون)، وتأكيد إتيان الفرج بعد الشدة في قوله عز وجل: (فإن مع العسر يسرا مع العسر يسرا)،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢١٥