تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا نذكر أن الشاعر الأموي كان ينظم قصيدته في جو يخالف جو الشاعر الجاهلي، فهذا متأثر بالحياة الوثنية، وذاك ينظم في جو إسلامي خالص، فعلماء الدين يجلسون في المساجد وغير المساجد يدرسون القرآن والفقه والحديث، ويناظرون ويجادلون في العقيدة والإيمان والقدر، وشعراء العصر يحضرون مجالس هؤلاء العلماء يسمعون منهم ويأخذون عنهم، ويناقشون كذلك في شعرهم مسائل الدين المختلفة.

والملاحظة أم السمات الإسلامية ظهرت بوضوح في الفن الشعري، وكان شعراء الخوارج أكثر شعراء العصر تأثرا بالناحية الإسلامية لما فيهم من قوة العقيدة ولأن الخارجي كان يعبر عن عواطفه هو، لأنه كان في الحزب القائد والزعيم والشاعر.

وكان الزميلان ـ الفرزدق وجرير ـ لهما نصيب كبير في أن يتضمن شعرهما كثيرا من السمات الإسلامية.

وكان لتأثر الأخطل بتلك الناحية مظهران بيتان.

أما المظهر الأول فمظهر عكسي أشرنا إليه فيما سبق، وهو أن الأخطل وقف عاجزا أمام جرير الذي يصب عليه الكثير من الفخر بالإسلام والخلافة والنبوة، والكثير من الهجاء في الصليب والقربان ومارسرجس وهو مكتوف اليدين معقول اللسان مقيد القدمين لا يستطيع أن يذكر شرا في رد هذا الهجاء وذلك الفخر. بل أن الأخطل في هجائه يكاد ديوانه يخلو من الفحش الذي تورط فيه زميلاه ذلك أنه لا يمكنه أن يتمادى في هجاء نساء المسلمين.

فإذا تعرض الأخطل للإسلام بشيء من مثل قوله:

ولست بصائم رمضان طوعا

ولست بقائم أبدا أنادي

ولكني سأشربها شمولا

ولست بأكل الأضاحي

كمثل العير: حي على الفلاح

وأسجد عند منبلج الصباح

وجدناه أبياتا نادرة في ديوانه ـ وهي هنا لا تعدو أنها فكاهة وسط هذا المحيط الإسلامي الذي كان مغمورا فيه الأخطل بتفاعل معه ويتنفس فيه حتى ضعفت الصورة المسيحية في شعره.

أما المظهر الثاني فمظهر إيجابي، نرى الظلال الإسلامية واضحة في شعره من حيث الألفاظ والمعاني.

فهو يقال:

أني حلفت برب الراقصات وما

وبالهدى إذا أحمرت مذارعها

أضحى بمكة من حجب وأستار

في يوم نسك وتشريق وتنحار

ويقول:

فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كأنهم من بقايا أمة ذهبوا

محاكيا في ذلك حديث الله جل وعلا عما حل بعاد والريح التي أتتهم ( .. تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم).

والمعاني الإسلامية تحتل في مدائح الأخطل وهجائه المقام الأول، فهو إذا مدح الأمويين وأشياعهم مدحهم بالكرم والشجاعة كما كان يمدح الجاهليون ومدحهم بالتقوى والإيمان كما يمدح الفرزدق وجرير والشعراء المسلمون

فعبد الملك أمير المؤمنين

الخائض الغمر والميمون طائره خليفة الله يستسقى به المطر

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٨٢