أَمَّا الأَصْلُ الثَّالِثُ: فَالانْتِبَاهُ إِلَى صَلَاحِيَةِ حَالِ الشَّيْخِ لِلإِجَابَةِ عَنْ سُؤَالِهِ، فَلَا يَسْأَلْهُ فِي حَالٍ تَمْنَعُهُ، كَكَوْنِهِ مَهْمُومًا، أَوْ مُتَفَكِّرًا، أَوْ مَاشِيًا فِي طَرِيقٍ، أَوْ رَاكِبًا سَيَّارَتَهُ، بَلْ يَتَحَيَّنُ طِيبَ نَفْسِهِ.
قَالَ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: سَأَلْتُ أَبَا الطُّفَيْلِ مَسْأَلَةً فَقَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالًا».
وَسَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ المُبَارَكِ عَنْ حَدِيثٍ وَهُوَ يَمْشِي، فَقَالَ: «لَيْسَ هَذَا مِنْ تَوْقِيرِ العِلْمِ».
وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى يَكْرَهُ أَنْ يُسْأَلَ وَهُوَ يَمْشِي.
أَمَّا الأَصْلُ الرَّابِعُ: فَيَتَيَقَّظُ السَّائِلُ إِلَى كَيْفِيَّةِ سُؤَالِهِ، بِإِخْرَاجِهِ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ مُتَأَدِّبَةٍ، فَيُقَدِّمُ الدُّعَاءَ لِلشَّيْخِ وَيُبَجِّلُهُ فِي خِطَابِهِ، وَلَا تَكُونُ مُخَاطَبَتُهُ لَهُ كَمُخَاطَبَتِهِ أَهْلَ السُّوقِ وَأَخْلَاطِ العَوَامِّ.
قَالَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ: كُنَّا عِنْدَ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ مُسْتَعْجِلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا، حَدِّثْنِي بِشَيْءٍ أَذْكُرُكَ بِهِ، فَقَالَ يَحْيَى: «اذْكُرْنِي أَنَّكَ سَأَلْتَنِي أَنْ أُحَدِّثَكَ فَلَمْ أَفْعَلْ!».
وَإِذَا تَأَمَّلْتَ السُّؤَالَاتِ الوَارِدَةَ عَلَى أَهْلِ العِلْمِ اليَوْمَ، رَأَيْتَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا سَلَبَ التَّحَفُّظِ وَسَفْسَافَ الأَدَبِ، فَتَرَى مَنْ يَسْأَلُ مُتَهَكِّمًا، أَوْ يَسْأَلُ مُحْتَقِرًا، يَسْأَلُونَ عَمَّا لَمْ يَقَعْ، أَوْ مَا وَقَعَ وَلَا.