وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ الْحَفِيدِ - مُقَرِّرًا أَصْلًا كَبِيرًا تَعْظُمُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فِي أَزْمِنَةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْفِتَنِ -:
«فَإِذَا تَعَذَّرَ إِقَامَةُ الْوَاجِبَاتِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إِلَّا بِمَنْ فِيهِ بِدْعَةٌ مَضَرَّتُهَا دُونَ مَضَرَّةِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ، كَانَ تَحْصِيلُ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ مَعَ مَفْسَدَةٍ مَرْجُوحَةٍ خَيْرًا مِنَ الْعَكْسِ».
وَمِنْهَا: زَجْرُ الْمُتَعَلِّمِ إِذَا تَعَدَّى فِي بَحْثِهِ، أَوْ ظَهَرَ مِنْهُ لَدَدٌ أَوْ سُوءُ أَدَبٍ.
كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ إِنْ تَحَدَّثَ أَحَدٌ فِي مَجْلِسِهِ أَوْ بُرِيَ قَلَمٌ، صَاحَ وَلَبِسَ نَعْلَيْهِ وَدَخَلَ.
وَكَانَ وَكِيعٌ إِذَا أَنْكَرَ مِنْ أَمْرِ جُلَسَائِهِ شَيْئًا، أَنْتَعَلَ وَدَخَلَ.
وَشُوهِدَ هَذَا مِرَارًا مِنْ شَيْخِ شُيُوخِنَا مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ آلِ الشَّيْخِ، فَكَمْ مَرَّةٍ رُئِيَ مُنْصَرِفًا لَمَّا سَمِعَ طَالِبًا يَتَشَدَّقُ فِي مَقَالِهِ، فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ وَانْصَرَفَ.
وَحَضَرَ شَابٌّ مَجْلِسَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، فَجَعَلَ يَتَرَأَّسُ وَيَتَكَلَّمُ وَيَتَكَبَّرُ بِالْعِلْمِ، فَغَضِبَ سُفْيَانُ وَقَالَ: «لَمْ يَكُنِ السَّلَفُ هَكَذَا، لَمْ يَكُنِ السَّلَفُ هَكَذَا، كَانَ أَحَدُهُمْ لَا يَدَّعِي الْإِمَامَةَ، وَلَا يَجْلِسُ فِي الصَّدْرِ حَتَّى يَطْلُبَ هَذَا الْعِلْمَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَأَنْتَ تَتَكَبَّرُ عَلَى مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْكَ! قُمْ عَنِّي، وَلَا أَرَاكَ تَدْنُو مِنْ مَجْلِسِي».