تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا التنزيه لله عن نسبة الشر إليه أمر ملحوظ كما قال الله تعالى في سورة الجن على لسان الجن ﴿وأنا لا ندري أشراً أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً﴾ (سورة الجن:10) فنسبوا إرادة الرشد إلى الله ونزهوه عن نسبة الشر إليه ــ سبحانه وتعالى ــ فجعلوا الفعل في إرادة الشر للمجهول ﴿أريد﴾ مع أن الخير والشر من تقدير الله وإرادته الكونية.

هذا هو خلاصة توجيه بعض العلماء للسر في تنويع الأساليب بين الآيات الثلاث من سورة الكهف وهو توجيه حسن، إلا أنه قد يعترض عليه بأن في الآية الثانية في شأن الغلام إذا كان الفعل وهو إرادة الإبدال يتضمن أمرين: شراً في ظاهره وخيراً فلا يناسب نسبته المشتركة لله وللعبد ... ﴿فأردنا﴾ إذ في النسبة المشتركة إشعار بعدم تنزيه أي من الطرفين عن أي من الفعلين كما لو قلت مثلاً: إن محمداً وعلياً أرادا السرقة والصدقة، فلو كان أحدهما أراد السرقة والأخر أراد الصدقة فإن الجمع في اللفظ هنا غير مستحسن فكذلك في الآية إن كان يراد التنزيه فلا يناسب النسبة المشتركة ﴿فأردنا﴾.

ولعل توجيها آخر أحسن من التوجيه المتقدم وهو القول بأن السر في التنويع بين الآيات هو: أن الفعل المراد في الآية الأولى هو: عيب السفينة وهذا في مقدور الخضر وفي استطاعته إنفاذ مشيئته، وهو المباشر للعمل ولذلك نسب الفعل لنفسه فقال ﴿فأردت أن أعيبها﴾.

وأما في الآية الثانية في شأن الغلام فإن الإبدال يتضمن أمرين: أحدهما قتل الغلام وهو في مقدور الخضر، وأما الآخر وهو رزق الوالدين بولد خير منه فهذا لا قدرة للخضر عليه، ولما كان الإبدال يتضمن الأمرين جعلت الإرادة في الآية مشتركة فقال: ﴿فأردنا﴾.

وأما الآية الثالثة في شأن الجدار فإن الأمر المراد هو بلوغ اليتيمين أشدهما، واستخراجهما كنزهما وهذا أمر الله سبحانه وفي قدرته وحده لا يملكه الخضر في المستقبل ولا يد له فيه، ولذا ناسب أن يخلص نسبة الإرادة لله

تأملات على ضفاف آيات · الصفحة ١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تأملات على ضفاف آياتص ١٠