لبى خالد أمر الخليفة فذهب إلى المدينة ليدافع عن عمله في قضية مالك بن نويرة، وفي رواية لسيف بن عمر أن أبا بكر أرسل عكرمة بن أبي جهل إلى اليمامة لما كان خالد يحارب المرتدين في بزاخة وأمده بقوة أخرى بقيادة شرحبيل بن حسنة، والرواية تزعم أن عكرمة بدأ القتال قبل وصول شرحبيل فنكب، فأقام شرحبيل في الطريق؛ حيث أدركه الخبر. وهذه الرواية تؤيد زعم سيف في أن الخليفة قسم جيش المسلمين في ذي القصة إلى إحدى عشرة فرقة، وعين قائدا لكل منها فوجهها إلى مناطق المرتدين، وقد سبق أن بينا فساد هذا الزعم. وفي رواية أخرى أن شرحبيل بن حسنة الذي تلقى أمرا من الخليفة بأن ينتظر ورود خالد ولا يتحرك، بادر إلى قتال مسيلمة قبل قدوم خالد فنكب وانسحب، وإذا صحت هذه الروايات يلوح لنا أن عكرمة بن أبي جهل كان يراقب اليمامة بقوة ساترة من المسلمين لما وقف خالد في البطاح، فوقعت مناوشات بينه وبين الحنفيين حبطت مساعيه فيها فانسحب، أما شرحبيل بن حسنة فإنه تولى قيادة جيش المسلمين عند ذهاب خالد إلى المدينة، فبدلا من أن ينتظر ورود خالد أسرع إلى مقاتلة الحنفيين فانكسر.
ولما قدم خالد البطاح كان جيش المسلمين مرابطا فيها، وكانت قبائل بني تميم عرضت الولاء إلا البعض منها فالتجأ إلى اليمامة، وكان بنو طيء وبنو أسد وبنو غطفان وبعض بني تميم أمدوا جيش المسلمين بالمقاتلين.
أما مسيلمة فإنه جهز عددا كبيرا من بني حنيفة وتقدم شمالا يريد مقابلة جيش خالد، وتدل الأخبار على أن بعض الحنفيين كان يخابر المسلمين سرا، ويطلع خالدا على موقف مسيلمة، ومن الروايات ما يؤيد أن الحنفيين الذين حافظوا على إسلامهم تحفزوا للشغب على مسيلمة. (27) الطريق الذي سلكه خالد
هناك طريقان للتقدم من البطاح نحو اليمامة؛ طريق شرقي وطريق غربي، أما الطريق الشرقي فيتجه شرقا أولا، ثم يمتد إلى سفح جبل طويق الغربي متوجها إلى الجنوب الشرقي مارا بالأرض الجبلية، وهو الطريق الذي يصل بريدة بالزلفى، ثم يمتد إلى المجمعة، ومنها إلى الحوطة فثادق فسدوس، أما الطريق الغربي فيتوجه نحو الجنوب الشرقي فيمتد بين نفود السد ونفود الشقيقة إلى أن يصل إلى الشقرة عاصمة الوشم، ومنها يمتد موازيا لسفوح جبل طويق الغربية فينعطف نحو الشرق ويتسلق الجبال ويمر بثنية اليمامة؛ حيث ينبع وادي حنيفة في غربي عيينة فينتهي في عقرباء ويدخل اليمامة.
والذي يلوح لنا أن خالدا سلك الطريق الغربي لاجتيازه أرضا سهلة تجعل المدينة في ظهره، أما الطريق الشرقي فيخترق أرضا جبلية وعرة، وقد تعرقل عليه المسير إذا أراد أهلها المقاومة، فضلا عن أنه طويل.
ومن الأخبار ما ينبئ بأن طليعة جيش المسلمين باغتت بعض رجال مسيلمة في ثنية اليمامة؛ أي في عقبة الحيسية، وهو المضيق الواقع إلى شرقي الحيسيان بين خشم الحيسية وخشم الخرشة، وفيه تنقسم مياه الأمطار؛ فمنها ما يصب إلى الشرق ويجري في وادي حنيفة، ومنها ما يصب إلى الغرب ويجري في بطن الحور.
ومن جملة الأسباب التي تجعل خالدا يميل إلى سلوك الطريق الغربي، قربه من قاعدة الحركات؛ أي المدينة. فإذا ما نكب الجيش يصل إليه المدد من خلفه، وإذا ما تضايق يستطيع الانسحاب إلى المدينة أو إلى مكة من بلاد أسد وغطفان، أو من بلاد بني عامر وهوازن؛ لذلك نجزم بأن جيش المسلمين سلك ذلك الطريق في مسيره نحو اليمامة. (28) معركة عقرباء
يقينا أن معركة عقرباء من المعارك الفاصلة التي ختمت دورا وفتحت دورا آخر؛ فالمسلمون جمعوا أقصى قوتهم بقيادة أمهر قوادهم، والمرتدون حشدوا أعظم قوة في استطاعتهم جمعها في أوعر منطقة، فمجرى المعركة يدل على الغاية التي كان يستهدفها كل من الفريقين.
فلو انكسر المسلمون، لا سمح الله، في هذه المعركة لبقي العرب منزوين في جزيرتهم، واحتفظ الأكاسرة بملكهم في العراق، ولم يبك هرقل ضياع سورية؛ فالنبي الكاذب أسود العنسي الذي سيطر على اليمن مدة من الزمن قتل غيلة، فلم يضطر المسلمون إلى حشد قوة كبيرة للتغلب عليه. أما بنو أسد فلم يكن من الصعب التغلب عليهم لتفرق كلمة القبائل، بيد أن في عقرباء احتشدت أعظم قوة من أمنع قبيلة في أرض مستحكمة، وكان الناس يقاتلون عن حيهم، ويتفانون في سبيل نبيهم.