تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الروايات ما يشير إلى أن خالدا لم يزور عن طريقه كما تقدم من ذي القصة إلى بزاخة إلا بعد أن رأى الجزع المستولي على أصحابه عند مقتل عكاشة وثابت، فمال بهم إلى حي طيء، وقال لهم: «هل لكم إلى أن أميل إلى حي من أحياء العرب كثير عددهم، شديدة شوكتهم؟» ولعل هذه الروايات ذكرت لتسويغ ازورار جيش خالد عن طريقه نحو بلاد طيء على ما أثبتناه فيما تقدم؛ إذ لا يعقل أن يصيب المسلمين الجزع بمجرد أن يقتل منهم فارسان، والروايات ذاتها تذكر قتل عكاشة وثابت بيد طليحة وأخيه سلمة، فمعنى أن القتال وقع بالقرب من بزاخة فيكون من الصعب أن يدير خالد ظهره ويترك عدوه ويتجه نحو بلاد طيء، بينما كان أهلها مترددين.

والواضح من هذه الروايات أن خالدا قدر الموقف قبل مسيره من ذي القصة. (18) القتال

رتب خالد جيشه في حظر القتال وجعل الأنصار والمهاجرين في الميسرة ورجال القبائل في الميمنة، ولعل أهل طيء كانوا في القلب مع بعض القبائل.

أما جيش طليحة فكان عيينة بن حصن مع سبعمائة فارس من فزارة في الصف الأول، وكان طليحة بن خويلد في القلب يشرف على القتال وفي أطرافه أربعون فتى من بني أسد استماتوا في الدفاع عنه، وكانت راية بني أسد حمراء رآها المسلمون من بعيد.

وتدل الأخبار على أن القتال بدأ بهجوم الفريقين أحدهما على الآخر، فكان عيينة بن حصن يقود الفرسان، أما حبال وسلمة أخو طليحة فكانا يقودان المجنبتين من جيش الأعداء.

ويذكر الواقدي نقلا عن رجل من هوازن حضر قتال بزاخة أن المسلمين فازوا بالمعركة بفضل البطولة التي أبداها خالد بن الوليد.

ويقول الراوي إن ميمنة المسلمين ارتدت على أعقابها لما هاجمها الأعداء فأثر ذلك في الميسرة فانسحبت بدورها؛ فتدارك الأمر خالد بحملته على الأعداء وندائه: يا أنصار الله! فحمس هذا النداء المتراجعين، وكروا على الأعداء ملتفين حول خالد، فتقاتل الفريقان بالسيوف فترجل خالد عن ظهر جواده وحارب راجلا، ولما رأى أصحابه أن الخطر محدق به التمسوا منه أن يترك خطر القتال ويقف في الوراء ويقود الجيشان، إلا أنه امتنع عن ذلك. وفي رواية أخرى للكلبي أن المسلمين لما تراجعوا أتى رجل من طيء خالدا وكلفه بالاعتصام بجبلي سلمى وأجأ، إلا أن خالدا رد طلبه قائلا إنه يعتصم بالله.

وبقي طليحة في القلب إلى أن قتل فتيانه جميعا؛ فانسحب إلى الوراء والتف بكسائه يتحين الفرص، ولما ضاقت الدنيا بعيينة بن حصن سأل طليحة: هل جاء الوحي؟ وهذا يقول له لا، فيرجع يقاتل. وفي الكرة الثالثة قال طليحة لعيينة: إن الوحي يقول له: «إن لك رحى كرحاه، وحديثا لا تنساه.» فتأكد عيينة أن الدائرة تدور عليه فنادى: يا بني فزارة، انصرفوا فهذا والله كذاب. فانصرفوا وانهزم الناس.

أما طليحة فأعد فرسه وهيأ بعيرا لامرأته فوثب على فرسه وحمل امرأته، ثم نجا بها، ولما سأله قومه: ماذا يأمر؟ قال: «من استطاع منكم أن يفعل مثل ما فعلت وينجو بأهله فليفعل.»

ووقع عيينة أسيرا بيد خالد فكبله بالحديد وأرسله مخفورا إلى المدينة، وكان المرتدون قد تركوا عيالهم خلفهم في محل أمين لكيلا يسبيهم المسلمون؛ لأن العرف كان يقضي في ذلك الزمان بسبي النساء واتخاذهن إماء. ولم تنته المعركة حتى عاد الكثيرون من بني أسد وفزارة إلى خالد وجددوا إسلامهم خشية على الذراري.

واغتنم المسلمون غنائم كثيرة في معسكر الأعداء من جمال وحمير وسلاح وغير ذلك، ولم يكتف خالد بهذه الغنائم؛ بل أوفد السرايا إلى جهات مختلفة لمطاردة المنهزمين، والتقت بهم في جبل رمان في جنوب جبل سلمى وفي الأبانين على جانبي وادي الرمة، وهما رابيتا أبان الأسود في شمالي الوادي، وأبان الأبيض في جنوبه، وأسرت كثيرين منهم وصادرت خيلهم وسلاحهم.

ولما نشب القتال بين المسلمين والمرتدين في بزاخة كان بنو عامر بن صعصعة على الحدود يراقبون مجرى القتال وينتظرون العاقبة.

خالد بن الوليد · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خالد بن الوليدص ١٨