تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشبهة الثانية؛ أنهم مكرهين على هذا الفعل

الشبهة الثانية: أنهم مكرهين على هذا الفعل، وقول الله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [النحل: 106].

الجواب:

أولاً:

الإكراه له حالات.

وبين ذلك الشيخ حمد بن عتيق قال رحمه الله: (المسألة الثالثة: وهي ما يعذر الرجل به على موافقة المشركين، وإظهار الطاعة لهم، فاعلم أن إظهار الموافقة للمشركين، له ثلاث حالات:

الحال الأولى: أن يوافقهم في الظاهر والباطن، فينقاد لهم بظاهره ويميل إليهم ويوادهم بباطنه، فهذا كافر خارج عن الإسلام، سواء كان مكرها على ذلك أو لم يكن مكرها، وهو من قال الله فيه: ﴿ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾.

الحال الثاني: أن يوافقهم ويميل إليهم في الباطن، مع مخالفته لهم في الظاهر، فهذا كافر أيضاً، ولكن إذا عمل بالإسلام ظاهرا عصم ماله ودمه، وهو المنافق.

الحال الثالث: أن يوافقهم في الظاهر معم مخالفته لهم في الباطن وهو على وجهين:

أحدهما: أن يفعل ذلك لكونه في سلطانهم مع ضربهم أو تقييدهم له، أو يتهددونه بالقتل فيقولون له: إما أن توافقنا وتظهر الإنقياد لنا، والا قتلناك، فإنه والحالة هذه يجوز له موافقتهم في الظاهر مع كون قلبه مطمئنا بالإيمان، كما جرى لعمار حين أنزل الله تعالى: ﴿إلا من أكره وقبله مطمئن بالإيمان﴾، وكما قال الله تعالى: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ فإن الآيتين متفقتان كما نبه على ذلك ابن كثير في تفسير آية آل عمران.

الوجه الثاني: أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن وهو ليس في سلطانهم، وإنما حمله على ذلك؛ إما طمع في رئاسة أو مال أو مشحة وطن أو عيال أو خوف مما يحدث في المآل، فإنه في هذه الحال يكون مرتدا ولا تنفعه كراهته لهم في الباطن، وهو ممن قال الله فيه: ﴿ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾، فأخبر أنه لم يحملهم على الكفر الجهل بالحق أو بغضه ولا محبة الباطل، وإنما هو أن لهم حظاً من حظوظ الدنيا فآثروه على الدين) [48] أهـ.

عرفنا بعد هذا؛ أنه لا يجوز فعل الكفر من الركون إلى الطاغوت أو التحاكم إليه أو الحكم به.

ثانياً:

عرفنا أن هذا لا يجوز لأجل الدنيا، قال تعالى: ﴿ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾.

قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: (وقد اجمع العلماء على أن من تكلم بالكفر هازلاً أنه يكفر، فكيف بمن أظهر الكفر خوفاً وطمعاً في الدنيا) [49] أهـ.

وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم أو إخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون﴾ [التوبة: 23].

قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله على هذه الآية: (وفي هذه الآيتين البيان الواضح أنه لا عذر لأحد في الموافقة على الكفر خوفا على الأموال والآباء والأبناء والأزواج والعشائر ونحو ذلك مما يعتذر به كثير من الناس، إذا كان لم يرخص لأحد في موادتهم واتخاذهم أولياء بأنفسهم خوفاً منهم وإيثاراً لمرضاتهم، فكيف بمن اتخذ الكفار الأباعد أولياء وأصحاباً، وأظهر لهم الموافقة على دينهم خوفاً على بعض هذه الأمور ومحبة لها؟ ومن العجب استحسانهم ذلك واستحلالهم له، فجمعوا مع الردة استحلال الحرام) [50] أهـ.

وقال سليمان بن سحمان رحمه الله: (إذا كان هذا التحاكم كفراً، والنزاع إنما يكون لأجل الدنيا، فكيف يجوز لك أن تكفر لأجل ذلك؟ فإنه لا يؤمن الإنسان حتى يكون الله ورسوله، أحب إليه مما سواهما، وحتى يكون الرسول أحب إليه، من ولده ووالده والناس أجمعين، فلو ذهبت دنياك كلها، لما جاز لك المحاكمة إلى الطاغوت لأجلها، ولو اضطرك مضطر وخيرك، بين أن تحاكم إلى الطاغوت، أو تبذل دنياك، لوجب عليك البذل، ولم يجز لك المحاكمة إلى الطاغوت) [51] أهـ.

[48] سبيل النجاة والفكاك 88 – 90.

[49] الدلائل 20.

[50] الدلائل 20.

[51] الدرر السنية 10/ 510 - 511.

طاغوت العصر · الصفحة ١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

طاغوت العصرص ١٠