كل هذا أقوله شفقة على من يريد إسقاط الشيخ في زمن متأخر عنه، ولو قابله لكان من عداد الصرعى، مع أنهم كبار وفوق الكبار كذلك.
لا أدري لم يظن البعض أن غلبة الشيخ على معاصريه كان بسبب ضعف هؤلاء المعاصرين له، فيأتي لكتب شيخ الإسلام ليحملها باطلاً من القول وزوراً، وكأنه يصرخ: وجدت فيها ما لم يعرفه معاصروه.
هذا ليس قطعاً لمناظرة الغائب، أو لرد غلط عالم سبق له القدوم على ربه، ولكن هذا التعالي الذي يمارسه المعاصرون على الأقدمين زعماً أن خصومه في زمانه لم يقوموا بالواجب جهل بعقل المتناظرين يومها.
كان مما كتبه في تقرير قواعد السلف في باب الأسماء والصفات والقدر رسالة التدمرية، وهي من غرر كتب الشيخ في هذا الباب، فقام أحدهم ممتطياً حماره، لابساً لأمته المهلهلة ضعفاً وجعل يطعن في هذا الجبل، والرجل متمرس باتخاذ أرجل الخشب، وظن أن خلا الميدان من رجاله.
هكذا هي الصورة، فكان كتابه في نقض التدمرية.
الكثيرون مروا عليه فأعرضوا عنه، ولكل سببه، والبعض مر عليه حاملاً إياه فرحاً، لم ينتبه أن بين الثنايا أفاعي وعقارب، وكان هناك من أراد به معركة فيها الإنصاف ولغة المناظرة العلمية، والذهاب مع الكاتب حيث يريد من وديان الأثر والنظر، مع معرفة رأيتها بارزة في الكتاب أن الراد المناظر يعرف صاحب النقض، متابعاً له، يسلك معه مسالك التنقيب والمسايرة، وبهذا زادت قيمة الكتاب: الانتصار للتدمرية، للأستاذ ماهر أمير عبد الكريم.
في بداية نظري فيه أعجبتني لغته، وقلت: صاغ قديما بلغة جميلة، وقلت هذا لمحدث لي حول الكتاب بعد النظر الأولي فيه، ثم بعد أن خلوت معه رأيت رجلاً يفهم ما يقول، ويغوص داخل هذا العلم الذي كتب فيه.