تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالله عز وجل خلق هذا القلب وركبه تركيباً خاصاً لا يصلح بحال من الأحوال إلا إذا علق بربه ومليكه، فإذا علق بغير الله؛ تعذب بهذا التعلق، ولذلك تجد كثيراً من الناس يسألون عن قضايا تتعلق بروابط ووشائج وصحبه مع بعض إخوانهم ويختلط عليهم الأمر كثيراً، فيظنون ذلك لله وفي الله، وأن ذلك يقربهم إلى الله مع أنهم يجدون ألمه في قلوبهم، ويجدون حسرة تعصف بهذه القلوب، فالعلائق والأعمال، والأحوال والارتباطات، والمجالس والأقوال، إذا كانت صحيحة مع صحة قصد صاحبها، فإنها تورث في القلب نوراً وانشراحاً، وإذا كانت على غير الجادة انعصر القلب وتألم، فمن كان يؤاخي أحداً من الناس في الله ولله، فإن ذلك يشرح صدره، ويقوي قلبه.

وأما إذا كان لمعنى آخر قد لا يشعر به هو أولا يدركه؛ فإنه يجد ألماً وحسرة بهذه الصحبة تؤثر فيه أرقاً دائماً لربما كدر عليه عيشه ... وهذا مثال واحد.

وتعليق القلب بالله عز وجل هو الذي يصلح هذا القلب، يقول شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله:'كلما ازداد القلب لله حباً؛ ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية؛ ازداد له حباً وحرية عمن سواه - لا يكون القلب عبداً أسيراً لأحد من المخلوقين لا امرأة ولا أحد من الناس - ويقول:'القلب فقير بالذات إلى الله من وجهين: من جهة العبادة، ومن جهة الاستعانة والتوكل فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا يسر ولا يطيب، ولا يطمئن ولا يسكن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه من حيث هو معبوده ومحبوبة ومطلوبة' [الفتاوى 10/ 193 - 194].

ولهذا كان ابن القيم رحمه الله يقول:'إن في القلب وحشة لا يذهبها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وفيه فاقه -يعني: فقر- لا يذهبه إلا صدق اللجوء إليه، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تذهب تلك الفاقة أبداً .. '.

5 - ومما يصلح القلب: الأعمال الصالحة: بجميع أنواعها كما قال ابن عباس رضي الله عنه:'إن للحسنة نوراً في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البدن، وزيادة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق. وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنا في البدن، ونقصاً في الرزق وبغضاً في قلوب الخلق'.

6 - أن نستعمله فيما خلق له: هذا القلب خلق ليكون عبداً لله، خلق ليعمل أعمالً جليلة هي الأعمال القلبية الصالحة، فإذا أشغل القلب بغيرها؛ تكدر وفسد كما قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله: 'ثم إن الله سبحانه وتعالى خلق القلب للإنسان يعلم به الأشياء كما خلق العين يرى بها الأشياء والأذن يسمع بها الأشياء ... - إلى أن قال:- وكذلك سائر الأعضاء الباطنة والظاهرة فإذا استعمل العبد العضو فيما خلق له وأعد من أجله؛ فذلك هو الحق القائم والعدل الذي قامت به السماوات والأرض، وكان ذلك خيراً وصلاحاً لذلك العضو، وإرضاء لربه وصلاحاً للشيء الذي استعمل فيه ... - إلى أن قال:- وإذا لم يستعمل العضو في حقه بل ترك بطالاً؛ فذلك خسران وصاحبه مغبون، وإن استعمل في خلاف ما خلق له فهو الضلال والهلاك، وصاحبه من الذين بدلوا نعمة الله كفراً .... - إلى أن قال:- ثم إن سيد الأعضاء ورأسها هو القلب- ثم قال:- وإذ قد خلق القلب لأن يعمل

سلسلة أعمال القلوب .. · الصفحة ١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سلسلة أعمال القلوب ..ص ١٣