فالآية تبدأ بخلق السماوات والأرض ، وهو حدث قديم لم يشهده الإنسان ولكنه يرى آثاره ماثلة أمامه . ولكن السياق القرآني لا يدع صورة الخلق ساكنة أمام الحس بل يحرك الصورة بتحريك مفرداتها . فالليل والنهار يدوران ويختلف طولهما في أثناء تعاقبهما المستمر ، والفلك تجري في البحر بما ينفع الناس ، والماء النازل من السماء يتسم بالحركة كذلك ، وهي حركة النزول نحو الأرض . ولكن الحركة لا تنتهي هنا ، فمن هذا المطر النازل يخرج النبات الحي من الأرض التي كانت مجدبة من قبل ، والتعبير القرآني يقول : ( فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) فيصور الأرض كانت ميتة فتحركت بالحياة بعد نزول المطر ، كما يقول في سورة الحج : ( وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) [ الحج : 5 ] ، ولكن الحركة لا تنتهي هنا كذلك ؛ بل تستمر لتصور الدواب جاءت تسعى تأكل النبات الذي أخرجته الأرض بالمطر ، والتعبير القرآني يقول : ( وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ) والبث حركة في جميع الاتجاهات في وقت واحد . ثم يجيء ذكر الرياح وهي متحركة بطبيعة الحال ، فإنها لا تسمى رياحاً إلا إذا تحركت حركة شديدة مموسة . وأخيراً يذكر السحاب متحركاً كذلك مسخراً بين السماء والأرض ، وهكذا تشمل الحركة كل الكائنات ، ويتملاها الحسّ في حركتها الدائبة فينفعل بها ويتحرك معها .
ركائز الإيمان · الصفحة ٣٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
ركائز الإيمانص ٣٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي