تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخلفاء الراشدين في فتوحاتهم.

وأما من بعدهم من خلفاء العرب وملوك الطوائف في عهدهم، فقد شاب

فتوحاتهم لنشر دعوة الإسلام شائبة حب سعة الملك وعظمة السلطان، ومع هذا قال

غوستاف لوبون من أكبر فلاسفة الاجتماع والعمران وعلماء التاريخ من الإفرنج:

(ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب) .

هذا مجمل ما نفهمه من آيات كتاب الله عز وجل، وسيرة نبيه صلى الله عليه

وسلم، وهو مبني على قواعد العدل والرحمة، وما شرع لأجله الدين من إصلاح

الأمة، وهو في الإسلام إصلاح البشر كافة، ولسنا كغيرنا ممن يغيرون ويبدلون،

ويحرفون ويؤولون لدفع ما يعترض به المعترضون، فإن ديننا ليس كسائر الأديان

التي يدافع عنها أهلها كما يدافع المحامي عن موكله المبطل بتمويه باطله، وتصويره

بغير صورته، وإنما دفاعنا عن ديننا هو إظهار حقيقته، وإزالة ما عرض من

التمويه والتلبيس عليه.

ونحن نعلم أن المعترضين عليه فريقان لا ثالث لهما: الجاهلون بحقيقته،

والمعادون له للعصبية الدينية أو المطامع السياسية، وهؤلاء يطعنون فيما يرونه

من محاسنه بأشد مما يطعنون فيما يتوهمون من مساويه، وغرضهم من ذلك

إضعاف أهله بإزالة ثقتهم به ثم بأنفسهم، ومن ذلك طعنهم في مسألة الجهاد، وهم

لا يطعنون في التوراة التي تأمر باستئصال الأعداء واصطلامهم من الأرض، كما

بينا ذلك في المنار مرارا، ومن أوضحها ما رددنا به على لورد كرومر.

ولو أن المسلمين عملوا بأحكام القتال كما أمر الله ورسوله لكان سلطانهم في

علو دائم، ومد لا جزر معه، بما يدعمه من العدل والرحمة، مع استكمال أسباب

القوة، فالواجب على الدعوة الإسلامية أن تكون أقوى دول الأرض وأن تقيم دعوة

الإسلام وتحميها بالقوة، وقد يكون ذلك بالدفاع وبالهجوم، مع مراعاة قاعدة:

﴿لا إكراه في الدين﴾ (البقرة: 256) .

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٨