تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ازدياد، وأن من دخل فيهم لا يخرج منهم، علم أنهم حزب الله الغالبون.

ولو رجع أولئك الدجالون البصر وكرروا التأمل والنظر، لرأوا أن هؤلاء

العوام الذين لم تبلغهم حقيقة دعوة الإصلاح، أو صدهم عن النظر فيها سدنة القبور

المعبودة وتجار الولاية والصلاح، هم الذين يتسللون يوما بعد يوم مما يسمى

الإسلام التقليدي، ولا يهتدون السبيل إلى حقيقة الإسلام البرهاني، فأكثرهم يفتنون

بالشبهات المادية التي يبثها فيهم حملة قشور العلوم العصرية، ومنهم من يشكون

في الإسلام بمطاعن دعاة النصرانية، فما بال زعماء الدجل والخرافات لا يتصدون

للرد على تلك الشبهات، وأنى لهم الرد عليها وهم لا يعرفون مواردها ومصادرها،

ولا يقفون على شيء من العلوم المتولدة هي منها، ولا يميزون بين أصول الإسلام

التي يجب الدفاع عنها، والخرافات والأوهام الملصقة بها، وإنما قصارى ما عندهم

أن يقولوا للعوام: إن جميع العلوم الطبيعية باطلة، وإن تعلمها كفر، ومتعلميها

زنادقة، ويريدون أن يتلقى الناس قولهم هذا بالقبول والتسليم، كما يوجبون عليهم

قبول جميع ما يقولون: إنه من الدين، على أنهم يعظمون الحكام والأغنياء

المتعلمين لتلك العلوم، فهل يرضى أحد بأن يكون من هؤلاء في مكان المقلد من

الإمام المعصوم؟ كلا إننا نرى كثيرا من المتعلمين في المدارس العصرية يعدون

خرافات أمثال هؤلاء الدجالين حجة على جميع العلوم الإسلامية، فهم لذلك يصدون

عنها، ويعدون من إضاعة الوقت النظر في شيء منها.

يزعم هؤلاء الدجالون أن الضلال كل الضلال هو ما يدعو إليه المصلحون

من هدي الكتاب والسنة، على النحو الذي كان عليه الصدر الأول من الأمة، ونبذ

كل ما استحدثه الخلف، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا

هذا ما ليس منه فهو رد) رواه الشيخان وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة.

وقد جعلوا همهم الطعن في دعاة هذا الإصلاح، ورميهم بحجارة الزور

والبهتان، وأكبر شبهتهم أن هذا من الاجتهاد الذي انقطع فضل الله به عن العباد،

وأن كتاب الله الذي أنزله هدى للعالمين، ووصفه بالتبيان والمبين، لم يتبين معناه

إلا للأفراد القليلين، الذين وصفوا بالأئمة المجتهدين، حتى إنهم لو لم يوجدوا لما

أمكن لأحد أن يكون من المسلمين، وأن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تكفي

في بيان كتاب الله من دون علمهم، وإن قال الله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين

للناس ما نزل إليهم} (النحل: 44) فإن لم يكن قد بينه كما أمر الله، فكيف

يكون قد بلغ رسالة الله؟ وهل يعقل أن يكون عجز عن ذلك وقدر عليه سواه؟ معاذ

الله، وحاش لله.

ألا إن هؤلاء ليسوا من أهل البصيرة والاستدلال، فنجذبهم بالحجة أو ندمغهم

بالبرهان، وإنما نريد بمثل هذا الكلام أن نذكر من لهم نصيب من الاستقلال بأن

مقلدة أمثال هؤلاء المساكين كلهم عرضة للمروق من الدين، وأنهم لو كانوا يغارون

عليهم وعلى دينهم لجعلوا همهم في وقايتهم من الكفر والإلحاد، لا في وقايتهم من

هدي السنة وهدي القرآن، وحصروا عنايتهم في كشف الشبهات التي تخرجهم من

حظيرة الإسلام، لا في نشر الخرافات التي تحصرهم في زريبة الأوهام، ولكن

يظهر أن ترك الإسلام ألبتة أهون عليهم من ترك التقليد الأعمى إلى هداية الكتاب

والسنة؛ ولذلك نراهم يدهنون للمارقين من أصحاب المال والجاه، ويثنون عليهم

بالألسنة والأقلام، ولا تظهر غيرتهم على الدين إلا في تضليل حماة الدين، ونحمده

تعالى أن خذلهم وكبتهم، وصرف قلوب الناس عما تزور أقلامهم، وتفتري ألسنتهم.

هذا، وإن الإسلام ليشكو اليوم من شيطان الإفساد السياسي، ما لا يشكو من

شيطان الإفساد الديني، فقد غلب على مقام أولي الأمر زعنفة من عبدة الطاغوت

والشر جعلوا المعروف منكرا والمنكر معروفا، وأرهقوا الأمة قتلا وحبسا ومصادرة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢