تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما بعد، حمدا لله الذي لا يحمد على المكاره سواه، والصلاة والسلام على

نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي خاف مقام ربه وعصم من اتباع هواه،

وعلى آله وصحبه الذين بذل كل منهم في صون الأمة قواه، وسلمت صدورهم

من فساد النيات، وإنما لكل امرئ ما نواه، فإن نصيحة أولي الأمر تلزم،

والتنبيه على مصالح العباد قبل حلول الفساد أحزم، والمتكلم لله تعالى مأجور،

والظالم ممقوت مهجور، وتحسين الكلام لدفع الضرر عن الإسلام عبادة،

والنثر والنظم للذب عن أهل الإسلام من باب الحسنى وزيادة، وجرحة الحاكم

الأعراض بالأغراض صعبة؛ إذ نص الحديث النبوي: أن حرمة المسلم أعظم

من حرمة الكعبة، ومخرق خرقته مذموم، ولحم العلماء مسموم، وهذه

رسالة أخلصت فيها النية، وقصدت بها النصيحة للرعاة والرعية، أودعتها

من جوهر فكري كل ثمين، وناديت بها على هزيل ظلم أبناء جنسي مناداة

اللحم السمين، لكن جنبتها فحش القول؛ إذ لست من أهله، وخلدتها في ديوان

الدهر شاهدة على المسيء بفعله، ورجوت بها الثواب، نصرة للمظلوم،

وغيرة على حملة العلوم، وسميتها: (الحرقة للخرقة) فقلت: اعلموا يا ولاة

الأمر، ويا ذوي الكرم الغمر، أبقاكم الله بمصر [4] للأمة، ووفقكم لدفع الإصر

وبراءة الذمة، أن حلب قد نزعت للزبدة، ووقعت من ولاية التاجر الرباحي

في خسر وشدة، قاض سلب الهجوع وسكب الدموع، وأخاف السرب، وكدر

الشرب، بجراءته التي طمت وطمت، وعمايته التي عمت وغمت، وفتنته

التي بلغت الفراقد، وأسهرت ألف راقد، ووقاحته التي أدهشت الألباب، وأخافت

النطف في الأصلاب، فكم لطخ من زاهد، وكم أسقط من شاهد، وكم رعب

بريا، وكم قرب جريا، وكم سعى في تكفير سليم، وكم عاقب بعذاب أليم،

وكم قلب ذائب، بنائبة توسط بها عند النائب، فامتنعت الأمراء عن

الشفاعة، وظنوا هم والنائب أن هذا امتثال لأمر الشرع وطاعة:

يا حامل النائب في حكمه أن يقتل النفس التي حرمت

غششته والله في دينه بشراك بالنار التي أضرمت

(إلى أن قال الزين ابن الوردي) : ثم إنه فسق مفتيا في الدين، وفضح

خطيبا على رؤوس المسلمين، ثم قال: يحب إثبات الردة والكفر كحب الدنانير

الصفر.

حاكم يصدر منه ... خلف كل الناس حفر

يتمنى كفر شخص ... والرضا بالكفر كفر

(ثم قال) : إذا وقع عنده عالم فقد وقع بين مخالب الأسود، وأنياب

الأفاعي السود:

أدركوا العلم وصونوا أهله ... من جهول حاد عن تبجيله

إنما يعرف قدر العلم من ... سهرت عيناه في تحصيله

ثم قال: ما أقدره على السفير، وما أسهل عليه التفسيق والتكفير، كم

دعى إلى بابلة فما ارتاح إلى الباب، ونراه حيران لعدم الرقة، فإذا قيل له:

فلان قد كفر، طاب، يحبس على الردة بمجرد الدعوى، ويقوي شوكته على

أهل التقوى، قد ذلل الفقهاء والأخيار، وجرأ عليهم السفهاء والأغيار:

يحبس في الردة من ... شاء بغير شاهد

لا كان من قاض حكى ال ... فقاع جد بادر

أراح الله من تعرضه، وصان عراض الأعراض من تعرضه، يقصد

بذلك أهل الدين، والقراء المجودين:

جرحت الأبرياء فأنت قاض ... على الأعراض بالأغراض ضاري

ألم تعلم بأن الله عادل ... (ويعلم ما جرحتم بالنهار)

هذا بعض ما جاء في رسالة الإمام ابن الوردي التي هي أشبه بمقامة بديعية،

وكلها حقائق صادقة ناطقة بما كان عليه تعصب قضاة ذلك الوقت، ولا سيما

المالكية منهم، ولقد كان قضاة المذاهب يحيلون الأمر في التعزير والتأديب إلى

القاضي المالكي لما اشتهر في الفقه المالكي من مضاعفة النكال، وشدة التأديب في

باب التعزير؛ إذ بسط للقاضي يده فيه بسطا لم يوجد في مذهب غيره، فلذا كان

محبو الانتقام والتشفي يعمدون إلى إحالة القضية إلى القاضي المالكي؛ لما يعلمون

ما وراء قضائه، مما فصل بعضه الإمام ابن الوردي كما قرأت، على أن الأمر في

التعصب لم يقف عند القاضي المالكي وحده لنتعصب ضده، وإنما كان هو الأقوى

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٢