إن الحضَّ على الإنفاق يأتي هنا في صورة عقد القرض بين الله والعبد، وقد سمَّى الله تعالى المال المُنْفَق، والزائد عن حدود الزَّكاة، قرضاً له ليشير إلى أن نماءه سيأتي مضاعفاً في الحياة الدنيا قبل الآخرة، وإلا لسمَّاه تبرُّعاً أو هبة لا يتوجَّب سدادها في المستقبل المنظور. أخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ملكاً بباب من أبواب السَّماء يقول: من يقرض الله اليوم يُجْزَ غداً، وملك بباب آخر ينادي اللَّهم أَعطِ منفقاً خَلَفاً وأعطِ ممسكاً تَلَفاً، وملك بباب ثالث ينادي يا أيُّها النَّاس هلمُّوا إلى ربِّكم، ما قلَّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى».
ثمَّ إن لله تعالى طريقاً آخر يمتحن به عبده فهو يقلِّل المال بين يديه ليختبر صبره وثباته، وليُبقي قلب المؤمن متعلِّقاً به سبحانه لا يشغله عنه شاغل. وربَّما عاقب الله العاصي من عباده بتقتير الرزق عليه ليدفع به إلى لحظة الصحو والتنبُّه من غفلته، والتضرُّع إليه جلَّ وعلا ليعيده إلى جادَّة الصواب وينتشله من ضيقه. ولربَّما منع الرزق أيضاً عمَّن هو جاهلٌ بسنن الحياة، متوانٍ عن الأخذ بالأسباب، قاعدٌ عن السعي في مناكب الأرض ليعلِّمه أن الرزق لمن يعمل ويتعب، لا لمن يتقاعس ويتواكل. فالله تعالى يبسط المال إنعاماً وانتقاماً، ينعم به على من أناب وعمل صالحاً، وأنفقه حيث أمره أن ينفقه، ويفتن به من جحد واستكبر. وهكذا يكون المال وسيلة ابتلاء للأغنياء والفقراء على السواء، المؤمنين منهم والضالِّين، والفائز هو من تعمل يده في الدنيا، بينما قلبه معلَّقٌ بالله وعينه متطلِّعة إلى يوم الحساب.
سورة البقرة(2)
قال الله تعالى: ﴿مثَلُ الَّذين يُنفِقُونَ أموالَهُم في سبيلِ الله كمثَلِ حَبَّةٍ أَنبتَت سَبعَ سنابِلَ في كلِّ سُنبُلَةٍ مائةُ حَبَّةٍ والله يُضاعِفُ لمن يشاءُ والله واسِعٌ عليمٌ(261)﴾
ومضات: