تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الإنفاق في سبيل الله أوَّل ما يعود بالنفع على المنفق نفسه، وهذا ما أكَّده قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وأنفقوا خيراً لأنفسِكُم﴾ فجعل ما ينفقونه وكأنه نفقة مباشرة لذواتهم، ويعدُّها خيراً لهم حين يفعلون، ويريهم شُحَّ النفس بلاءً خطيراً، والسعيد السعيد من يقي منه نفسه فينجو من شرِّه. ولا يخفى أن التكافل الاجتماعي قد يحتاج إلى مزيد من البذل والإنفاق، ممَّا يستلزم المزيد من التضحية، ولهذا دعانا الله تعالى إلى الإقراض وعَدَّ نفسه هو المستقرض، حيث يردُّ للمقرض الجواد ما أنفقه أضعافاً مضاعفة، مقروناً بالمغفرة والعفو الإلهي، ولولا حلمه تعالى وفضله على عباده ما أثابهم على إنفاقهم لشيء هو مالكه الحقيقي، وهو الَّذي وضعه تحت تصرُّفهم ليحسنوا التصرف فيه فيضعوه في الجهة الَّتي يرضاها.

إن إنفاق المسلم على أخيه المسلم تفريجاً لكربه، وإزالةً لهمِّه ومواساةً له في ضائقة أَلمَّت به؛ هو عمل لله يراد به وجهه، وكأن العبد يقدم قرضاً لله عزَّ وجل، وهو خير من يكافئ على هذا التقديم. فتبارك الله ما أكرمه وما أعظمه! فهو ينشئ العبد ثمَّ يرزقه، ثمَّ يسأله فضل ما أعطاه، قرضاً يضاعفه، ثمَّ يشكر لعبده الَّذي أنشأه وأعطاه، كما أنه يعامله بالحلم في حال تقصيره عن شكر مولاه. إن الله يعلِّمنا بصفاته كيف نتسامى عن الضعف والنقائص، ونتطلَّع دائماً إلى الخير والإحسان، لنشهد فضله سبحانه، ونحسن إلى خلقه كما أحسن إلينا في حدود طاقتنا الصغيرة المحدودة. والله عالم بكلِّ شيء، بما غاب وما حضر ولا تخفى عليه خافية، كلُّ شيء خاضع لسلطانه، مدبَّر بحكمته، كي يعيش النَّاس وهم يشعرون بأن عين الله ترعاهم، وسلطانه مهيمن عليهم، وحكمته تدبِّر الأمر كلَّه حاضره وغائبه، ويكفي أن يستقرَّ هذا التصوُّر في القلوب لتتَّقي الله، وتخلص له، وتستجيب لأوامره.

سورة البقرة(2)

منهاج حياة · الصفحة ٨٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ٨٤٢