ويك يا قلمي الخبيث! أتريد أن تدعني ... لكأنك والله نفس معلقة في أصابعي تحب وتشتاق! •••
وماذا عسى أن يكتب إلي قلمي وهو ذاهل في راحتك سكران من أنفاسك، مضعضع من لمسة خديك، مترفع على الوجود كله بموضعه من شفتيك، وهو كالميت من إفراط هذه الحياة كلها عليه؟
أحسبه يكتب إلي من يدك هذه الرسالة:
سيدي الأستاذ الفيلسوف ...
لم يخالجني الريب قط في أنك من نزعاتك الروحانية ومن ذهولك الرباني كأنك في جو كوكب ... لا في جسم إنسان، وكأن عناصرك المطهرة قد أنضجها اللهب القلبي الذي يحرق الإنسان ورغائبه وأهواءه في شعلة متقدة تفني منه شكله الأدنى؛ لتوجد منه شكله الأسمى، وتدعه ذؤابة نور ترتعش.
وإن الساعة التي قرأت كتابك فيها لتكاد تشعرني بأنها من غير هذا الزمن، فكأنها خلقت لي تأتيني مع بريد من الملائكة حين يوافي البريد بكتابك.
وتالله إن كتابك يا سيدي لزهرة من روحك تحيتها عندي في تأملها والإعجاب بها، أما بلاغته فبالله أحلف صادقة ما رأيت أكمل منك لسان قلم ... ولا أذكى مع هذا القلم ... قوة طبع، ولا أبلغ طبيعة نفس، ولكأن قلمك ... مهبط إشعاع تلتقي إليه سبحات روح الجمال المنبثة المالئة هذا الوجود مما بين أزهار الأرض، إلى كواكب الفلك إلى حدود الحور في مقاصير الخلد.
وسألتني اللقاء، ولكن قلمك ... ساحر قدير فهو يستطيع أن يحملك إلي دائما في رسائلك البليغة، ولو شاء هذا القلم الساحر ... لجعل من الصحيفة روضا يفرشه تحت أقدامنا نثار الورد
4
وقد جلسنا فيه تحت خيمة من الندى مطرزة بشقق عريضة من حرير الشمس، ونلتقي وإن كنا لم نلتق!
واها لقلمك ... يا سيدي واها ... وسلمت للمعجبة بآيات هذا القلم المعجز ... •••
على أن هذا القلم الخبيث لو استملى من نشوته وسكره هذا الكلام المعربد في قلبي، وركب ذلك الفن من الغيرة، وأخذته هذه الرجفة، وكتب إلي بيدك تلك الرسالة لقرأتها أنا هكذا:
يا من أنا سيدته!
لم يخالجني الريب قط في أنك - من حبك - نفس تحترق بذاتها كالكواكب، فعناصرك الملتهبة تلفنا معا في شعلة غرام تفني منا شكلين؛ لتوجدهما في الحب شكلا واحدا، وتدعه كذؤابتي نور معتنقتين.
وإن الساعة التي قرأت كتابك فيها لتكاد تشعرني أنها منك أنت لا من الزمن؛ لأحيا فيك وأنا أقرؤك.
وإن كتابك لمن روح أيها الحبيب لا من كلام؛ فإني لما نشرته في يدي أحسست كأنه غمز يدي.
أما بلاغته فبالله أحلف صادقة لقد نقل إلي الكلمة التي لم تكتبها، وسألتني اللقاء ...
آه ما بالك جمدت الآن أيها القلم الخبيث وقطع بك؟ فكأنك تغار حتى من موعد مزور ...! •••
هذه يا حبيبتي رواية قلمي فما رواية قلمك؟
إنك لتنظرين إلي نظرات ناعمة من ذلك النظر الرطب فأجد لها مسا كمس يد الحبيبة الفاتنة؛ فلماذا لا تكتبينها؟
وتبسمين أحيانا ابتسامات معنوية تهرب إلي فيها بعض قبلاتك، فلماذا لا تكتبينها؟
وأرى على نور قلبي أحرفا مختبئة في قلبك هي: ألف، حاء، باء، كاف فهل تكتبينها ...؟
| نار الكلمة
تقولين في كتابك أيتها الحبيبة: ولعمري إني لأستحس وهجا من حرارة الجذوة التي في قلبك، أشعر به ومن بيني وبينك عرض المشرق
1
ولقد عرفت هذه النار، وآمنت بما قلته لي مرة من أنها اتصال الشعاع الأزلي بالقلب الإنساني ملطفا في وسيلة إنسانية، مخففا بجمال، مزخرفا بلذة، معابا برغبات كثيرة كيلا يمحق محقه الذي كان أخفه وأيسره أن تجلى للجبل فجعله دكاء،
2
ولكن أيها الصديق ...
ولكن بأية نار تشعل ألفاظ رسائلك؟ وكيف ينبض القلم في يدك هذه النبضات الحية المتمثلة حتى ما يخالجني شك في أنه لو وضع على كتابك ميزان الحرارة؛ لجاءت درجته في حرارة قلب. •••
أتجهلين ...؟ يا بعد ذلك!
أتعرفين ...؟ يا حب ذلك!
إنما تأتي رسائلي أيتها العزيزة من تحول الكهربائية التي في قلبي إلى ألفاظ؛ إذ يدفعها الشوق أن تكون عملا مني بعد أن كانت عملا منك وهي كالنور، لا يرى حتى يلبس ما يرى فيه، فتلبس الكهربائية ألفاظي وتتراءى.