تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في بعدك لا أشعر بالزمن يفنى من الساعات والأيام، بل مني ومن حياتي، فأنا في بعدك أذوب، أذوب فناء، أي أذوب شوقا، وأفنى صبرا وعمرا بين كل ساعة وساعة!

وفي الحياة يفنى الوقت ذاهبا فيما نحن بسبيله من واجباتها وممكناتها، وتعبنا بها وقتا وراحتنا فيها وقتا آخر، فكأنه لا يمسنا نحن بل يمس أعمالنا، فنحمله بذلك ونطيقه على ذلك، ولا نحس أننا نموت فيه يوما بعد يوم، بل نشعر بالحياة تبدأ فينا ولا تزال تبدأ، أما في الحب على امتناع الحبيب أو هجره أو فراقه، فحاضرنا هو الماضي ويومنا هو أمس؛ إذ لا تزيد فيما يكون إلا مراجعة ما كان فيقع الزمن على قلوبنا، ويعتمل فيها، ويأخذ منها ولا نشعر به إلا موتا في صورة حياة ممتعة علينا، ومن ثم فلا يكون الشوق إلى الحبيب الممتنع أو الهاجر أو المفارق إلا لهفة ثائرة كلهفة الشوق إلى الحياة من مريض وقذه المرض ورس على جسده السقم

3

فمات أكثره، وبقيت منه البقية الذاهبة نفسا في نفس، ويشعر بالموت يبدأ فيه ولا يزال يبدأ!

يا رحمة للمشتاق حين يكون فيما حوله وهو بعيد عنه، وقد يتكلم بالكلمة وهو مسيرة شهر من معناها ...

4

ويعيش في سكوت ملأته أرواح ألفاظ محبوبة تريد بما وسعه أن تتكلم، ولا يمكن أن تتكلم؛ إذ الفم الجميل الذي ينطقها بعيد في وديعة النوى، ويروي أنه هو وحبيبه ناحية فكرية من نواحي الدنيا بعيدة عن الناس والأشياء، كأنهما معتكفان في عزلة، ومع ذلك فالحبيب عنه بعيد، فكأنما المسكين غريب في دنياه، وفكره معا، ويحس الآلام لا تنتهي؛ إذ كانت هي أشواقه الدائمة الحنين إلى من يهواه، فالألم دائما فيه يبدأ ولا يزال يبدأ!

ومن كل ذلك فأشواقي لك يا حبيبتي دائما تبدأ ولا تزال تبدأ، وأنا دائما في أولها! •••

آه ما هذه الأفكار الحزينة التي جاءت تبحث عن دموعي.

وما هذا المعنى الناري الذي يطير في دمي.

وما هذا الرعد القلبي الراجف يتردد صوته: آه آه آه ...؟

| كتاب رضا

كتابها قد جاءني حاملا

لقلبي الخفاق قلبا خفق

والتمعت فيه نجوم المنى

في أسطر مثل سواد الغسق

وأعرف القبلة في موضع

يلوح لي كالزهر لا كالورق

وكم به سطر إلى آخر

كالصدر للصدر دنا فاعتنق!

وكم به معنى أنام الجوى

وكم به معنى أتى بالأرق! •••

سألته كيف رأى وجهها؟

فقال: جل الله فيما خلق

قلت: وذاك الخد لما استحى؟

فقال مثل الفجر فيه الشفق

قلت: وذاك الثغر ما أمره؟

فقال: لما ذكرتك «انطبق»

1 •••

يا ثغرها، فيك نسيم الندى

فكيف قلبي في نداك احترق؟

| رواية القلم

أشعر أحيانا أيتها الحبيبة أن لقلمي علي خلافا، وكأن فيه عاطفة ترميه بنوازعها، فهو يجاذبني نفسه، لا يريد أن يكون في بناني ولا أن يقر معي، وهو الساعة مرتبك متبلد تمشي به يدي وكأنها الشيخ المتهدم الفاني يدعم على عصا

1

يراه الناظر إليه متزحزحا مترجرجا فيحسبه يرتعش ولا يمشي.

وإن يكن بهذا القلم شيء مني فما به إلا الضجر مما يمليه قلبي الذي يهابك في رسائله كما يهابك في حبه، فيقذف لقلمي بالكلمة من الكلام يكتبها عنه وإن القلب في ذات نفسه ليزمزم

2

بمعنى ليس في هذه الكلمة، بل في كلمة غيرها قد أخفاها وضمر عليها.

أحسب قلمي يا حبيبتي لا يتمنى إلا أن يكتب بغير يدي على أن لا تكون الرسالة يا ذات قلبي إلا من قلبي أنا، وهذا معنى لو كشفته لكان هكذا. يود قلمي أن يكون في يدك أنت ليكتب بيدك إلي ... كأنه يعقل ويتلو معي رسائلك، ويعرف أنك دائما هاربة فيها ... ويتلهف مثلي على كلمة مقبلة.

3 •••

وهبيه الآن في يدك الرخصة الناعمة التي أودع الله فيها سر ثمرة من أحلى وأنضر ثمار الجنة فتذاق منها حلاوة الجنة بالتقبيل، إنه يلمسك ... إنه تحت أنفاسك يرتقب كلام شفتيك ... وربما فكرت قليلا فأطرقت إطراقة فلمست به خديك، وربما أغمضت عينيك ليسعدك فكرك العميق بأسلوب مقلوب ... فإذا أنت في ذلك قد ألصقت القلم بشفتيك، ولبثت ساكنة ولبثت ساكنا ...!

أوراق الورد · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ٢٧