1- أن المؤمن في هذه الحياة مبتلى، فدار الدنيا دار ابتلاء وامتحان، والله سبحانه وتعالى- يبتلي عباده المؤمنين، وكلما زاد إيمان الشخص زاد بلاؤه، فنوح عليه السلام، ابتلي بابنه وزوجته، وإبراهيم عليه السلام، أمر بترك زوجته وابنه الرضيع في واد غير زرع، ولما بلغ ابنه معه السعي أمر بذبحه، فامتثل لأمر ربه، ورمي به في النار، فصبر، وأيوب عليه السلام، مرض سنين عددا، وموسى عليه السلام، خرج من مدينته خائفا يترقب، وأمر بإعلان الدعوة فلحقه من الأذى من قومه عنادا واستكبارا ما بسط بآيات من القرآن الكريم، ويوسف عليه السلام، رمي في الجب من قبل أقرب الناس إليه (إخوانه) ، ويباع رقيقا بثمن بخس، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، ثم تعرض عليه الفتنة فيرفضها حتى أودع في السجن بضع سنين، ها هو ذا والده يعقوب عليه السلام، تبيض عيناه من الحزن على ابنه يوسف عليه السلام، وهو كظيم، فدعا بدعائه المشهور: (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) [يوسف: 86] . وقال عندما وصله نبأ ابنيه: (فصبر جميل) [يوسف: 83] . ونبينا وحبيبنا محمد صلى الله وعليه وسلم، خليل الرحمن المبعوث رحمة للعالمين، ينشأ يتيم الأبوين، ويرمى عليه سلا الجزور، وهو ساجد لربه تعالى عند الكعبة، وتتوالى عليه الأحزان في عام الحزن، فتموت أحب الناس إليه زوجته خديجة، رضي الله عنها، وعمه أبو طالب، ويخرج من أحب البلاد إليه، ويقاتله قومه حتى يشج جبينه الشريف، وتكسر رباعيته، وهو صابر لله تعالى، ومحتسب، وتتوالى المصائب والابتلاءات عليه حتى آخر لحظة من حياته، فتتوالى عليه سكرات الموت حتى يغمى عليه، صلى الله عليه وسلم، ويدخل عليه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، ويلاحظ شدة الألم عليه، صلى الله عليه وسلم، فيقول له: يا رسول الله، إنك توعك وعكا شديدا. قال صلى الله عليه وسلم: "أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم". أخرجه البخاري (5648) ومسلم (2571) . ويسأله، صلى الله عليه وسلم، سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه- عن أشد الناس بلاء؟ فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه؛ فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة". أخرجه ابن ماجه (4023) والترمذي (2398) وقال: حديث حسن صحيح. وصححه الألباني.
2- أن المصائب التي تصيب الإنسان، وإن كانت في الظاهر شرا له إلا أنها في الحقيقة تحمل معها خيرا للمؤمن إذا صبر واحتسب، ولم يجزع ويسخط؛ فعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مصيبة يصاب بها المسلم إلا كفر بها عنه، حتى الشوكة يشاكها". أخرجه البخاري (5640) ومسلم (2572) .