ضبط صدر : وهو أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء(1) .
(1) فلا يطلب من المحدث ، ليكون ثقةً ، أن لا ينسى شيئاً مما تحمله ، ولا أن لا يشك في شيء منه ، وإنما المطلوب منه أن يكون قادراً على استحضاره عند الاحتياج إليه ، ولا يضره أن يعجز عن استحضار شيء يسير من ذلك في أوقات نادرة ؛ ثم يطلب منه أيضاً أن لا يحدث إلا بما يتقنه ، فإن حدث بما لا يتقنه وبيّن أنه يشك فيه أو أنه لا يتقنه ، فإن ذلك لا يضره .
قال المعلمي في قسم التراجم من (التنكيل) (1/225) في ترجمة جرير بن عبد الحميد : (وقول الأستاذ "كان سيء الحفظ " ، لم يقلها أحد قبله أيضاً ؛ وإنما المعروف أن جريراً كان لا يحدث من حفظه إلا نادراً ، وإنما يحدث من كتبه ، ولم ينكروا عليه شيئاً حدث به من حفظه ، وأثنوا على كتبه بالصحة ، فأما ما حكاه العقيلي عن أحمد أنه قال : "لم يكن بالذكي اختلط عليه حديث أشعث وعاصم الأحول حتى قَدِم عليه بَهْزٌ فعرّفه" ، فقد ذُكر هذا لابن معين فقال : "ألا تراه قد بيَّنها" ، يعني أن جريراً بيَّن لمن يروي عنه أن حديث أشعث وعاصم اختلط عليه حتى ميز له بهز ذلك ؛ وعلى هذا فلم يحدث عنهما حتى ميَّز له بهزٌ فكان يحدث عنهما ويبيِّن الحال ، وهذا هو محض الصدق والنصيحة والضبط والإتقان ، فإنه لا يُطلب من المحدث أن لا يشك في شيء ، وإنما المطلوب منه أن لا يحدث إلا بما يتقنه ، فإن حدث بما لا يتقنه بيَّن الحال ؛ فإذا فعل ذلك فقد أمِنّا من غلطه وحصل بذلك المقصودُ من الضبط .
فإن قيل : فإنه يؤخذ من كلامهم أنه لم يكن يحفظ وإنما اعتماده على كتبه : قلت : هذا لا يعطي ما زعمه الأستاذ : أنه كان سيء الحفظ ؛ فإنَّ هذه الكلمة إنما تطلق في صدد القدح فيمن لا يكون جيد الحفظ ومع ذلك يحدث من حفظة فيخطئ ، فأما من لا يحدث من حفظه إلا بما أجاد حفظه كجرير فلا معنى للقدح فيه بأنه لم يكن جيد الحفظ ) .