تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخيراً ، فإذا عُلم هذا تبين وجه صنيع كثير من جهابذة الحفاظ والنقاد من تصريحهم في كثير من الروايات بتفرد بعض رواتها بها ، مع وجود متابعات لها ؛ وههنا احتمالات :

أولها وهو أظهرها : أنهم وقفوا على تلك المتابعات ، ولكنهم تركوها ولم يلتفتوا إليها ، لسقوطها وشدة وهائها ، فعدّوها في حكم العدم ، وقد يُشعر بذلك استعمالهم كلمة (يعرف بفلان) أو (لا يُعرف إلا بهذا الإسناد) ، ومعلوم أن كلمة (معروف) لها في عرف المحدثين معنى اصطلاحي معروف ، فالحديث المنكر غير معروف ويستحق أن يقال فيه : لا يُعرف .

وثانيها : أنها فاتتهم ، إما بتعمد منهم، أو بدونه ، فليست عندهم ، فهم لم يكتبوها ، أو لم يسمعوها أصلاً ، بسبب كونها من رواية المتروكين عندهم ، من معاصريهم أو من طبقة شيوخهم ، والأئمة يكتبون أحياناً عن بعض المتروكين لحاجات النقد ، ويتركون الكتابة عن كثير منهم ، وهم الذين لا يُنتفع برواياتهم في الدراسات النقدية .

وثالثها : أنها وُجدت أو افتُريت بعد عصرهم إمّا بسرقة أو تركيب متعمَّد ، أو تلقين ، أو إدخال ، أو تزوير ؛ أو وجدت بعد عصرهم ، كذلك ، ولكن من غير تعمد ، بل بسبب خطأ من راو مخطئ .

ولهذا فإن من أراد أن يستدرك عليهم مثل هذه المتابعات ينبغي أن لا يكون استدراكه مُشعراً بوصفهم بالتقصير في التفتيش أو القصور في الحفظ ، فإنهم فوق ذلك وإن لم يكونوا معصومين من الخطأ ولا محيطين بكل العلم ؛ فليعلم ذلك ، وأيضاً ينبغي أن يُجعل تنصيصهم على ذلك التفرد احتمالاً قوياً في سقوط تلك الرواية المستدركة أو تعليلها بما يمنعها من صلاحيتها للاستشهاد بها ، وحينئذ لا بد من دراسة كل الاحتمالات والقرائن في كل حديث .

هذا وقد أولع كثير من المحدثين من المتوسطين والمتأخرين بجمع نوعين من الأفراد والغرائب :

النوع الأول : ما تفردوا هم أنفسهم به ، وأفردوا لذلك كتب الفوائد.

لسان المحدثين · الصفحة ٥٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لسان المحدثينص ٥٢١