ثم بعد ذلك ينتقل إلى استقراء وتحقيق أحوال الرواة الذين أطلق ذلك الناقد فيهم كلمات معناها محدد أو قريب من التحديد ، أي كلمات غير فضفاضة ولا تحتمل معان متعددة ، مثل كلمة ( حديثه صحيح ) ، وكلمة ( لا يحتج به ) وكلمة ( متروك ) ، وكلمة ( أحاديثه منكرة ) .
ثم بعد ذلك يشرع بمقارنة اصطلاحاته باصطلاحات المعتدلين الذين علمت اصطلاحاتهم واشتهرت معانيها عندهم .
فبهذه الأنواع من الاستقراء تتبين أصول مذهب ذلك الناقد في معاني مصطلحاته ، ومقاصد عباراته ، ويطلع حاجب شمسها ؛ وتلوح معالم أُسِّها ؛ ثم بعد ذلك التمهيد والتأسيس وفتح الباب الذي كان مغلقاً يسهل الطريق ويتسع على من يريد التوسع والتدقيق والتكميل والتفريع ، فما عليه إلا التوسع في الاستقراء والتدقيق وإكمال بناء الفروع على أصولها وتشييد الأركان على أسسها ؛ مبتدئاً باستقراء الأقرب إلى ما تم استقراؤه ، وباستقراء الأوضح في معناه ؛ لتكون هذه وتلك أصولاً لفروع جديدة ، وتلك الفروع تكون - بدورها - أصولاً لفروع أخرى هي الأقرب إليها ؛ وهكذا يستمر الاستقراء إلى أن يبلغ منتهاه ، ويحصل المقصود منه .
( 6 )
بيان ضرورة التثبت وعدم التسرع في تحديد معاني المصطلحات
إن السبيل إلى معرفة معاني الاصطلاحات عند المتقدمين هو الاستقراء التام المليء بالفطنة والنباهة وبقوة ملاحظة القرائن والاحتمالات والمستند إلى المقارنات والموازنات ، مع استحضار المعنى اللغوي للكلمة في أثناء ذلك العمل كله ، ومع الحذر مما خالف فيه المتأخرون المتقدمين في معاني اصطلاحاتهم .