قال ابن الصلاح في (مقدمته) (ص207-208) : (إذا روى المحدث الحديث بإسنادٍ ، ثم أتبعه بإسناد آخر، وقال عند انتهائه : "مثله ، فأراد الراوي عنه أن يقتصر على الأسناد الثاني، ويسوق لفظ الحديث المذكور عقيب الإسناد الأول : فالأظهر المنع من ذلك .
وروينا عن أبي بكر الخطيب الحافظ رحمه الله قال : كان شعبة لا يجيز ذلك .
وقال بعض أهل العلم : يجوز ذلك إذا عرف أن المحدث ضابط متحفظ ، يذهب إلى تمييز الألفاظ وعدِّ الحروف ؛ فإن لم يعرف ذلك منه لم يجز ذلك .
وكان غير واحد من أهل العلم إذا روى مثل هذا يورد الإسناد ويقول : "مثل حديث قبْلَه متنه كذا وكذا" ، ثم يسوقه .
وكذلك إذا كان المحدث قد قال : "نحوه" ؛ قال : وهذا هو الذي أختاره ) .
ثم روى ابن الصلاح بإسناده إلى أبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي: حدثنا عمرو بن محمد الناقد : حدثنا وكيع قال: قال شعبة : "فلان عن فلان مثله" : لا يجزئ ؛ قال وكيع: وقال سفيان الثوري: يجزئ.
وأما إذا قال : "نحوه" فهو في ذلك عند بعضهم كما إذا قال : "مثله" .
نُبئنا بإسناد عن وكيع قال : قال سفيان : إذا قال : "نحوه" فهو حديث ؛ وقال شعبة : "نحوه" شك .
وعن يحيى بن معين : أنه أجاز ما قدمنا ذكره في قوله "مثله" ، ولم يجزه في قوله "نحوه" ؛ قال الخطيب : وهذا القول على مذهب من لم يُجز الرواية على المعنى ؛ فأما على مذهب من أجازها فلا فرق بين "مثله" و "نحوه" ، والله أعلم .
قلت : هذا له تعلق بما رُوِّيناه عن مسعود بن علي السجزي أنه سمع الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول : إن مما يلزم الحديثيَّ من الضبط والإتقان : أن يفرق بين أن يقول : "مثله" ، أو يقول : "نحوه" ؛ فلا يحلُّ له أن يقولَ : "مثله" إلا بعد أن يعلم أنهما على لفظ واحد ؛ ويحلُّ له أن يقول : "نحوه" إذا كان على مثل معانيه ، والله أعلم ) .