فتأمل معنى (لا بأس به) عند يحيى بن سعيد ؛ فورودها في مثل هذا السياق الذي يتبين منه تفسيرها ، من مهمات الفوائد ، فإن يحيى بن سعيد إمام كبير في الجرح والتعديل بل هو شيخ كثير من أئمة الجرح والتعديل كأحمد وعلي ويحيى وعمرو بن علي الفلاس .
فمن الواضح أن الإمام يحيى بن سعيد قد قال في الأثر السابق : (لا بأس به) في حق راو لا يحتج هو به ولا يَعتمد عليه ، فإن لم يكن هذا الإمام قد استعمل هذه اللفظة بهذا المعنى استعمالاً خاصاً بسياق هذا الأثر(1)، فحينئذ يتبين أنه كان يستعملها فيمن لا يَحتج هو به ولكنه عنده متماسك أو قوي في الجملة ؛ والله أعلم(2) .
(1) وهو احتمال بعيد.
(2) وقال عبد الله بن يوسف الجديع في (تحرير علوم الحديث) (1/573-576) في قولهم (لا بأس به) ، أو (ليس به بأس) ما خلاصته :
(الأصل أن هذه اللفظة إذا أطلقت على راو مِن قِبل ناقد عارف فهي تعديل له في نفسه وحديثه ، فإن أريد به معنى مخصوص بُيِّن ؛ وذلك الراوي قد يحتج به ابتداء .
وقد تكون هذه اللفظة بمنزلة قولهم في الراوي : (صدوق) ، فيكتب حديثه وينظر فيه ، ويحتج به بعد اندفاع شبهة الوهم والخطأ ، لكون الوصف بها حينئذ قاصراً عن وصف أهل الضبط والإتقان ، مثل قول ابن عدي في (المغيرة بن زياد الموصلي) : " عامة ما يرويه مستقيم ، إلا أنه يقع في حديثه كما يقع في حديث مَن ليس به بأس، من الغلط ، وهو لا بأس به عندي " .
وقد يكون الراوي الموصوف بها موضع تردد عند الناقد ، كقول أبي حاتم الرازي في (إبراهيم بن عقبة بن أبي عياش الأسدي) وقد وثقوه : " صالح ، لا بأس به " ، قال ابنه : قلت : يحتج بحديثه ؟ قال : " يكتب حديثه " ، وكقوله في (زهرة بن معبد أبي عقيل) : " ليس به بأس ، مستقيم الحديث " فقال ابنه : يحتج بحديثه ؟ قال : " لا بأس به " .
وقد يعتبر به ، ولا يبلغ حديثه الاحتجاج ).