كلهم ثقات :
قال صاحبا (تحرير التقريب) (1/353) : (ويتعين على طلاب العلم الإنتباه إلى [أن] قول الدارقطني في السنن عقب بعض الأسانيد (كلهم ثقات) فيه كثير من التساهل والوهم، وأن المعتمد هو ما نقله عنه تلامذته النجب حينما سألوه، مثل البرقاني والحاكم والسهمي ونحوهم، وما نقله الخطيب في "تاريخ بغداد" من أقواله، والله أعلم).
قلت : أما التساهل فقد وقع من الدارقطني في هذا الكتاب بلا شك؛ وأما الوهم الكثير فيبعد أن يقع من مثله، نعم الوهم اليسير لازم له ولكل المحدثين. وعلى كل حال فمقتضى ما ذكراه - وهو وجوب التثبت في أحكام الدارقطني في "سننه" قبل اعتمادها - حق لا ريب فيه .
وقد ورد في (التنكيل) (ص225 و ص586-588) بعض ما قد يصلح عذراً للدارقطني(1).
الكُنّاش ، الكُنّاشة :
ورد في (المعجم الوسيط) (2/807) : (الكُنّاشةُ : الأصل تتشعبُ منه الفروع؛ و[هي أيضاً] الأوراق تُجعل كالدفتر ، تُقيد فيها الفوائد والشوارد (مو[لدة]) ).
وقال بعض الدارسين : (الكناش أو الكناشة : كلمة سريانية أصلها كوناش وكوناشة ؛ وهي مستعملة قديماً).
(1) وقال أبو الحسن المأربي في (إتحاف النبيل ) (1/45) : (والدارقطني أظن أنه معتدل، ولكنه يصحح ويحسن في السنن ما لا يثبت، وسننه فيه غرائب كثيرة).
وقال الزيلعي في (نصب الراية) (1/356) : (سنن الدارقطني مجمع الاحاديث المعلولة ومنبع الأحاديث الغريبة).
وقال (1/360) : (الدارقطني ملأ كتابه من الأحاديث الغريبة والشاذة والمعللة).
وتبعه على هذا النقد طائفة من الأحناف كالعيني ثم اللكنوي ثم عبد الفتاح أبو غدة؛ وكلام الزيلعي هذا ربما استدل به من لا معرفة له بعلم الحديث عامة، أو بعلم الدارقطني خاصة، على أن الدارقطني تساهل في هذا الكتاب تساهلاً كثيراً جداً، أو أنه لم يحسن انتقاء الأحاديث في سننه، وليس هذا واقعاً ولا ذاك، وإنما الواقع أن الدارقطني أكثر في كتابه من غرائب المرويات في الأحكام العملية وتكلم عليها، أو على أكثرها ولم يشترط في الكتاب شرطاً يعلم، وتسمية كتابه بالسنن، وترتيبه له كترتيب كتب الأحكام لا يمنع من أن يُكثر فيه من إخراج الأحاديث الواهية والضعيفة، لأنه غير ساكت عليها في الجملة، ولم يدّع أنه يحتج بكل ما في كتابه، ولم يقل هو ولا أحد من أهل العلم أنه انتقى في كتابه أصح وأقوى ما ورد في الباب؛ ثم إنه بعد ذلك كله قد أحال الناس على الأسانيد.
ومما قد يؤخذ منه أن الدارقطني متساهل في التوثيق قول الدارقطني في (سننه) (3/174) : (وأهل العلم بالحديث لا يحتجون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان راويه [في مطبوع السنن : رواته]عدلاً مشهوراً، أو رجل قد ارتفع اسم الجهالة عنه، وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعداً، فإذا كان هذه صفته ارتفع عنه اسم الجهالة، وصار حينئذ معروفاً؛ فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد انفرد بخبر وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره؛ والله اعلم)؛ [وانظر (فتح المغيث) (2/322)].
قلت : كلام الدارقطني هذا قد يتوهم متوهم فيفهم منه ظاهره وأن الدارقطني يوثق كل من روى عنه اثنان [انظر المقترح للشيخ الوادعي رحمه الله : السؤال 84]؛ وذاك بعيد جداً، لا يقوله أحد من أهل العلم بالحديث ولو نزلت مرتبته فيه، فكيف بمثل الامام الدارقطني، وهو الإمام الجهبذ خاتمة علماء العلل؟! ثم إن كتبه كلها مبنية على خلاف هذا المعنى المتوهم؛ وهو سائر فيها على طريقة سائر أئمة الفن.
ولعله أراد أن الرجل إذا روى عنه راويان يكون حينئذ معروف العين ثم هو بعد ذلك يكون مقبول الحديث أو مردوده وذلك القبول والرد يكون بحسب ما يتبين لأهل العلم من حال الرجل، فحينئذ يكون مقصوده في هذا الكلام رد خبر مجهول العين مطلقاً؛ ولا شك أنه يستثني الصحابة، والنظر في حديث المعروفين؛ وإلا كان معنى كلامه معنى بعيداً عن الصواب مجانباً للحق مخالفاً لإجماع المحققين، مناقضاً لعمل الدارقطني في كتبه، وليس شيء من ذاك بلائق به.
وقال المناوي في مقدمة (فيض القدير) (1/28) بعد أن ذكر ثناء العلماء على الدارقطني في علم الحديث : (لكن رأيت في كلام الذهبي ما يشير إلى أنه كان يتساهل في الرجال، فإنه قال مرة : [كتاب الدارقطني] مجمع الحشرات، [يرى غير واحد من الفضلاء أنها مصحفة عن "المنكرات"]؛ وقال أخرى لما نقل عن ابن الجوزي في حديث أعله الدارقطني أنه لا يقبل تضعيفه حتى يبين سببه، ما نصه : هذا يدل على هوى ابن الجوزي وقلة علمه بالدارقطني، فإنه لا يضعف إلا من لا طبَّ فيه).
ومن جهة أخرى قال عبد الله بن يوسف الجديع في تعليقه على (عوالي سعيد بن منصور) (ص62) : (والدارقطني رحمه الله كثيراً ما يعل بما ليس بعلة عند التحقيق، وكأنه كان يلزم جانب الحيطة).
قلت : لعل الاعتدال في وصف منهج الدارقطني من جهة الاعتدال وما يخالفه هو أن الدارقطني يشدد في أحيان قليلة ويسهل أحياناً، وتساهله أكثر؛ والقضية لا يكفي في تحريرها مثلُ هذه العجالة.