والحاصل أن الموضوع الرئيس لعلم الحديث هو تمييز مقبول الأحاديث من مردودها ، ولكنك ترى في كتب المصطلح مسائل أخرى غير داخلة في صلب هذا المقصد والأمر في ذلك يسير ، قال الشيخ العلامة طاهر الجزائري رحمه الله في (توجيه النظر) (1/80) : (وأما ما يقال من أن في هذا الفن مسائل لا تتعلق بالقبول والرد كآداب الشيخ والطالب ونحو ذلك فالخطب فيه سهل ، فإن أكثر الفنون قد يُتعرض فيها لمباحث غير مقصودة بالذات غير أن لها تعلقاً بالمقصود ، فتكون كالتتمة ، وهو أمر لا ينكر)(1) .
وهذا بيان لكيفية نشأة كتب علوم الحديث :
إن تقرير قواعد علم الحديث واستعمال مصطلحات خاصة بأهله أمرٌ بدأ منذ بدء المسلمين برواية حديث نبيهم صلى الله عليه وسلم، أي في عصر الصحابة رضي الله عنهم بل في عصر الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم، ولكن لاشك أنها كانت في أول أمرها قريبة المأخذ قليلة العدد واضحة المقصد وذلك ما لم يقتض شأنهم وشأن العصر والعلم حينئذ أكثر منه.
ثم توسع الناس في الرواية وكثر اختلافهم فيها وازداد أكثر الناس بعداً عنها وجهلاً بها فاحتاج العلماء إلى بيان قواعد هذا العلم ونشرها بين الناس وتقريرها لهم وتقريبها منهم، واحتاجوا أيضاً إلى تكثير مصطلحاته طلباً للدقة في التعبير ورغبة في الاختصار في القول، وهكذا نشأ هذا العلم العظيم الذي انفردت به هذه الأمة دون سائر أمم الدنيا، وذلك فضل الله والله يؤتي فضله من يشاء.
(1) ولي كتاب فيه إحصاء لأكثر كتب المصطلح ، وبيان لا بأس به لمضمون كثير منها وإشارة إلى منزلته بين كتب الفن ؛ ولكنه ما يزال مسوداً وناقصاً ، فلعل الله تعالى أن ييسر لي تبييضه ونشره .