يؤخذ من هذا الأثر أن هذه الكلمة من كلمات الطعن الشديد عند عبد الله بن المبارك ؛ ويؤيد ذلك أن ابن المبارك رحمه الله كان من مزاياه في نقده الرواة أنه كان فيه عفَّ اللسان ، خفيف اللفظة ، شديد التوقي ، يكاد يستغني بالإشارة إلى جرح الراوي عن التصريح به، ورَعاً منه واحتياطاً ؛ فإذا اقتضى أمر الدين وواجب النصح أن يجرح ويحذر لم يقصر، ولكن مع التزام الأدب والورع والتقوى والإنصاف ؛ ولعله لذلك لم يكن ليتكلم في أحد من الرواة إلا عند وضوح الحجة على ضعفه أو سقوطه وعند قيام الحاجة إلى ذلك ؛ والأثر المتقدم بتفسيره مثال على ذلك ، وتشفعه الأمثلة الآتية .
قال مسلم في مقدمة (صحيحه) (1/18) : (حدثني أحمد بن يوسف الأزدي قال سمعت عبد الرزاق يقول : ما رأيتُ ابن المبارك يفصح بقوله "كذاب" إلا لعبد القدوس، فإني سمعته يقول له : كذاب).
وقال عبدالله بن الإمام أحمد في (العلل ومعرفة الرجال) (1/391) (775) : سمعت أبي ذكر الجلد بن أيوب ، فقال : ليس يسوى حديثه شيئاً .
قلت له : الجلد ضعيف ؟ قال : نعم ، ضعيف الحديث .
سمعت أبا معمر يقول : ما سمعت ابن المبارك ذكر أحداً بسوء إلا يوماً ذُكر عنده الجلد بن أيوب فقال : أيش حديث الجلد ؟ وما الجلد ؟ من الجلد ؟(1) .
وقال أبي : قال يزيد بن زريع : ذاك أبو حنيفة لم يجد شيئاً يحتج به إلا بالجلد ! حديث الحيض ) .
(1) قال العقيلي في (الضعفاء) في ترجمة (جلد بن أيوب) (1/222) (252) (حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : سمعت أبا معمر يقول ---- ) فذكره .